أبعاد

من الأدوية إلى نكهات الطعام.. كيف يختبئ النفط في حياتنا اليومية؟

لا يقتصر حضور النفط والغاز الطبيعي على تشغيل السيارات وتدفئة المنازل فحسب، بل يمتدّ إلى تفاصيل دقيقة في حياتنا اليومية عبر “البتروكيماويات” التي تدخل في تصنيع آلاف المنتجات التي نستخدمها من دون أن نربطها بهذا المورد.

فبين غذاءٍ نتناوله، ومعجون أسنان نستخدمه صباحًا، وطلاء يكسو الجدران، وعطر نرشه قبل الخروج، تتخفّى مشتقات النفط والغاز في سلاسل تصنيع طويلة تجعلها جزءًا من شكل الحياة الحديثة أكثر مما نظن.

النفط في تفاصيل حياتنا اليومية

من بين أكثر المجالات التي تكشف “الخيط غير المرئي” للنفط في يومياتنا، تبرز الزراعة والصناعة؛ إذ يقف النفط والغاز خلف مواد أساسية باتت تُعرّف نمط العيش الحديث.

الأسمدة والبلاستيك

أساس غير مرئي للحياة الحديثة

أولى هذه المواد هي الأسمدة النيتروجينية، التي تمثل الحلقة الأولى في سلسلة طويلة تربط الوقود الأحفوري بالغذاء الذي يصل إلى موائدنا.

  • الأسمدة النيتروجينية

ترتبط الزراعة الحديثة بشكل وثيق بالأسمدة النيتروجينية، المصنوعة في معظمها من الغاز الطبيعي. فبحسب موقع “زيرو كاربون أناليتكس“، تمثل هذه الأسمدة نحو 30% من انبعاثات البتروكيماويات.

وتثير هذه الأسمدة جدلًا بيئيًا واسعًا، لأنها قد تؤدي إلى انبعاث أكسيد النيتروز، وهو غاز دفيئة أقوى بثلاثمئة مرة من ثاني أكسيد الكربون، ويمتد عمره الافتراضي لأكثر من 100 عام.

اعتبارًا من عام 2018، مثّل البلاستيك 63% من الإنتاج العالمي للبتروكيماويات من حيث الوزن. وتأتي القطاعات الثلاثة الأكبر في إنتاجه ضمن التعبئة والتغليف (36%)، ثم البناء (16%فالمنسوجات (15%).

وبينما نربط البلاستيك غالبًا بالعبوات، فإن حضوره يتجاوز ذلك إلى منتجات قد لا تبدو “بلاستيكية” في ظاهرها.

وبالإضافة إلى الأسمدة والبلاستيك، هناك العديد من المنتجات التي تصنع من البتروكيماويات المشتقة من النفط والغاز الطبيعي، لكن هذه الحقيقة ليست شائعة.

الشوكولاتة

لمعان “مستخرج” من البترول؟

قد تحتوي أغلفة الشوكولاتة أحيانًا على شمع البارافين الصالح للأكل، وهو مادة شمعية تُستخلص من مصادر مختلفة من بينها البترول أو الفحم أو الزيت الصخري.

وعند استخدامه في بعض المنتجات، يمنح الشوكولاتة لمعانًا ويساعد في الحفاظ على صلابتها في درجات الحرارة الأعلى، نظرًا لانخفاض درجة انصهاره. كما يقلل التصاقها بالقوالب ويسهّل إخراجها بشكل سليم.

وعند تناوله، قد يبقى هذا الشمع غير مهضوم في الجسم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه غير آمن ضمن الاستخدامات المصرّح بها.

يحافظ شمع البارافين على صلابة بعض منتجات الشوكولاتة ولمعانها – غيتي

معجون أسنان

مركبات صناعية لأدوار متعددة

قد تحتوي بعض أنواع معجون الأسنان على مشتقات تُستخدم لتحسين القوام والذوبان والطعم أو لتأدية وظائف محددة داخل التركيبة، مثل مركبات “بولي إيثيلين غلايكول” وغيرها.

كما يستخدم بعض المصنّعين مادة مثل “بولوكسامر 407″ لتسهيل ذوبان معجون الأسنان في الماء، وقد تُضاف مُحلّيات صناعية في بعض الأنواع لتحسين الطعم.

ووفق موقع “أوشن بلو بروجكت”، فإن الطريقة الوحيدة للتأكد من خلو معجون أسنانك من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة هي قراءة قائمة المكونات.

ويشير الموقع إلى أن ظهور مكونات مثل “البولي بروبيلين” أو “البولي إيثيلين” قد يشير إلى وجود مركبات مرتبطة بالبلاستيك الدقيق في بعض التركيبات.

قد تُضاف مركبات صناعية لمعجون الأسنان لتحسين القوام والطعم والخصائص الوظيفية – غيتي 

العطور

روائح “مصنوعة” بدلًا من الزيوت الطبيعية

تستخدم صناعة العطور الحديثة كثيرًا من المركبات الاصطناعية بدلًا من الزيوت العطرية الطبيعية.

فعلى سبيل المثال، تمنح بعض المركبات الصناعية، مثل “أسو إي سوبر“، روائح خشبية قريبة من العنبر، فيما تمنح مركبات أخرى، مثل زيت “هيديون”، رائحة الياسمين،

وتشتهر تركيبات بعينها، مثل زيت “غالاكسولايد“، بقدرتها على الثبات طويلًا فوق الجلد والملابس.

الطلاء

متانة أكبر.. وكلفة بيئية محتملة

تصير بعض أنواع الطلاء أكثر مقاومة للماء وأكثر متانة عند إضافة بوليمرات بلاستيكية، كما تتيح هذه التركيبات خيارات أوسع في الألوان وقوة الالتصاق بالأسطح وتقلل التشقق مقارنة ببعض البدائل.

لكن المشكلة تظهر مع الوقت: فحين يتقادم الطلاء أو يجفّ ويتقشر، قد تتحول هذه الطبقات إلى مصدر لتسرّب جسيمات دقيقة إلى البيئة ومجاري المياه.

ووفق “لايف سينس”، يشكل البلاستيك أكثر من الثلث في بعض أنواع الطلاء.

ووفقًا لتقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن كمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من الطلاء، وخاصةً من الأسطح الفولاذية، التي تدخل المجاري المائية تعادل ما بين 150 و225 مليار زجاجة بلاستيكية.

حبوب الدواء

تغليف يحمي ويسهّل.. ويعتمد على مواد صناعية

تُغلّف كثير من الحبوب أو تُصنع كبسولاتها بمواد تساعد على البلع وتمنع الالتصاق، كما قد تسهم في حماية المواد الفعالة وإطالة فترة الصلاحية.

وتُستخدم المواد الاصطناعية أحيانًا لتعديل إطلاق الدواء وإخفاء الطعم أو حماية المركبات الحساسة من الرطوبة والضوء.

ويحظى سوق الكبسولات الفارغة بشعبية كبيرة، ومن المتوقع أن يتجاوز صافي قيمته السنوية 5.2 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، وفقًا لدراسة نُشرت عام 2022 في مجلة “بوليمرز”.

ويشير موقع “هيلث ديجيست” إلى أن كبسولات الدواء تُصنع من الجيلاتين. وبحسب الموقع، يُنتَج الجيلاتين المُكوِّن للكبسولات القياسية ذات القشرة الصلبة عادةً من معالجة مُشتقات الماشية التي لا تُباع وتُؤكل عادةً في متاجر البقالة، مثل العظام والأنسجة الضامة والجلد.

نكهات الطعام

الفانيليا واللوز “في المختبر”

تُستخدم مركبات صناعية على نطاق واسع في صناعة النكهات الغذائية، مثل نكهات الفانيليا واللوز والليمون. ويمكن “هندسة” هذه المركبات لمحاكاة نكهات محددة، بما يمنح المنتج نكهة متجانسة في مختلف الدفعات وبكلفة أقل.

وعلى سبيل المثال، يُستخدم “الفانيلين” بوصفه مركبًا شائعًا لمحاكاة نكهة الفانيليا، كما يُستخدم “البنزالدهيد” في نكهة اللوز، وقد تُنتج هذه المركبات صناعيًا ضمن سلاسل بتروكيماوية.

ووفق موقع “دسكوفير ماغازين“، لا تختلف النكهات الطبيعية كثيرًا، كيميائيًا على الأقل، عن نظيراتها المُعززة للنكهة: النكهات الاصطناعية. يمكن صنع كليهما في المختبر على يد خبراء نكهات مُدرَّبين، لكن النكهات الاصطناعية تستخدم مواد كيميائية صناعية، مثل البترول، لإضفاء رائحة أو طعم مميز على المنتج.

تُستخدم زيوت مشتقة من البترول بدلًا من الزيوت العطرية الطبيعية في صناعة بعض العطور – غيتي 

الفازلين

مثال مباشر على مشتقات النفط

الفازلين منتج شائع الاستخدام، وله استخدامات متعددة، خاصةً لحماية البشرة وترطيبها. من تهدئة البشرة الجافة والمتشققة إلى توفير حاجز حماية بعد الوشم، يحظى هذا المنتج البسيط بشعبية واسعة.

وكما هو متوقع، يُشتق الفازلين من الغاز الطبيعي والنفط. يُقطّر النفط الخام أولًا لفصله إلى مكونات مختلفة، أحدها مادة شمعية ثقيلة تُسمى الفازلين. ثم تُكرّر هذه المادة وتُنقّى للحصول على فازلين صالح للاستخدام.

مليّنات المعدة

مركبات تُستخدَم طبيًا أيضًا

تُصنع بعض المُليّنات من “بولي إيثيلين غلايكول”، وهو مركّب صناعي يُستخدم في تطبيقات متعددة. ويسحب هذا المركب الماء إلى القولون، ما يساعد على تليين البراز. 

كما تحتوي بعض أنواع المُليّنات، وفقًا لمجلة “هارفارد هيلث“، على زيت معدني مشتق من البترول يعمل كمزلّق داخل الأمعاء.

معجون الحلاقة ومعطرات الجو

ثبات أطول وتركيبات صناعية

قد تحتوي بعض منتجات الحلاقة على مركبات مشتقة من النفط الخام تُستخدم ضمن التركيبة لتسهيل تكوين الرغوة أو تحسين الانزلاق وتقليل الاحتكاك والتهيّج.

من هذه المركبات مركّب يُسمى إيزوبنتان، وهو مُستخلص من النفط الخام، يساعد على تكسير الزهم، وهو مادة دهنية على جلد الإنسان، ويُساعد على انتصاب الشعر، مما يُسهّل إزالته.

إضافةً إلى ذلك، غالبًا ما تستخدم منتجات الحلاقة البولي إيثيلين غلايكول، الذي يُستخدم أيضًا في المُليّنات والمُزلقات الجنسية.

وغالبًا ما تعتمد معطرات الجو بدورها على زيوت ومركبات صناعية تمنح رائحة أقوى وثباتًا أطول من بعض الزيوت الطبيعية.

وصُممت هذه الزيوت الاصطناعية لمحاكاة العطور الشائعة، ويمكن تركيبها بحيث تنطلق تدريجيًا مع مرور الوقت، مما يوفر رائحة تدوم طويلًا.

قد يبدو صادمًا أن نكتشف مدى تغلغل النفط في تفاصيل حياتنا اليومية، لكن هذه القائمة ليست مجرد “مفارقات” بقدر ما هي مرآة لاعتماد الاقتصاد الحديث على البتروكيماويات كمادة أولية رخيصة وفعّالة. وإدراك هذا الواقع لا يعني شيطنة كل منتج، بقدر ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يمكن تقليل هذا الاعتماد تدريجيًا عبر بدائل أكثر صداقة للبيئة، من دون أن تتعطل الحياة الحديثة نفسها؟

كلما فتّشنا أكثر في مكونات الأشياء التي نستخدمها، اكتشفنا أن قصة النفط لم تعد في المحركات وحدها… بل في تفاصيلنا الصغيرة أيضًا.

lk hgH],dm Ygn k;ihj hg'uhl>> ;dt dojfz hgkt' td pdhjkh hgd,ldm?

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ