“الاختيار” ليوسف شاهين.. مقاربة فريدة ومبكرة لاضطراب الهوية التفارقي

تحتفل الأوساط السينمائية والثقافية العربية هذا العام بمئوية المخرج المصري يوسف شاهين (25 يناير/ كانون الثاني 1926 – 27 يوليو/ تموز 2008)، الذي يعدّه كثير من النقاد عبقري السينما العربية بلا منازع.
أخرج شاهين أول أفلامه الروائية “بابا أمين” عام 1950، ولم يكن قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره. وفي تلك السن المبكرة أدار عددًا من كبار نجوم السينما المصرية، مثل فاتن حمامة وهند رستم وفريد شوقي وكمال الشناوي وماري منيب وحسين رياض.
وفي سجل شاهين، خلال مسيرته السينمائية الحافلة بالأفلام والجوائز، نحو أربعين فيلمًا، يُعتبر أغلبها من بين الأفضل في تاريخ السينما العربية.
أخرج يوسف شاهين أول أفلامه “بابا أمين” وهو في الرابعة والعشرين من عمره – مواقع التواصل
واحتل شاهين المرتبة الأولى بين المخرجين في “قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية” التي صدرت بمناسبة مئوية السينما المصرية، بعدد الأفلام التي تضمنتها القائمة (12 فيلمًا)، يليه صلاح أبو سيف (11 فيلمًا).
يوسف شاهين ما بين الغموض والنرجسية
على الرغم من مكانة شاهين الرفيعة في تاريخ السينما، فإنه لم يحظ بإجماع حول تجربته قط. فبينما رآه بعض النقاد موهبة سينمائية استثنائية، اتهمه آخرون بالتغريب والغموض والمثلية، وسوى ذلك من اتهامات وجّهت إليه ولأفلامه، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى وفاته عام 2008.
كما اتُهِم شاهين بـ”الديكتاتورية” في إدارة كادره من ممثلين وفنيين، وبـ”النرجسية” أو التشوش في بناء شخصيّاته.
وفي مقابلة تلفزيونية قديمة، قالت الممثلة المصرية سناء جميل، التي أدت دور البطولة في فيلمه “فجر يوم جديد” (1965)، إنها لا تفهم أفلامه ولا تحبها، وإنه يصنع ما وصفته بـ”غلوشة” ويعتقد أنها “عبقرية”، مشيرة إلى أن جمهور الشارع لا يشاهد أفلامه لأنه لا يفهمها.
وربما تكون دوافع جميل في نقدها لشاهين محض شخصية، فتجاربها في التعامل معه تركت لديها انطباعًا سلبيًا عنه.
سناء جميل في “فجر يوم جديد” الذي أخرجه شاهين عام 1965 – مواقع التواصل
وتروي جميل أن شاهين تواصل معها خلال التحضير لفيلم “الوداع يا بونابرت”، الذي عُرض للمرة الأولى عام 1985، لتكتشف أن الدور المقترح عليها لا يتجاوز “عبورًا” سريعًا من رصيف إلى آخر، ما دفعها إلى مواجهته بحدة، قائلة: “أما إنك بجح صحيح.. كيف تجرؤ؟“.
وتضيف سناء جميل:
كان ليا ملحوظة على طريقة أدائه لمّا كان بيوجهني. أنا ما بحبش خالص اللي يتهته.
أنا أحب إن الجُملة تطلع سليمة. أنا مش عايزة أزعله بس أنا ما حسيتش إنه كان لطيف معايا.
يعني هو مش زي صلاح أبو سيف أو بركات أو حسين كمال او زي أي مخرج أنا إشتغلت معاه.
هو دايمًا يحسّس اللي قدامه بإنه مابيفهمش.
على أن موقف سناء جميل وإن كانت دوافعه شخصية، فإنه يعبّر عن آراء كثيرين من جمهوره وجدوا أفلام شاهين “غير مفهومة”، ورأوا أنها لا تقدم “حكاية أو رواية” متماسكة بقدر ما تقدم مجموعة مشاهد غير مترابطة، ما رسّخ لدى بعضهم صورة شاهين بوصفه “مخرج نخبة ومهرجانات وخواجات“.
وعززت هذه الصورة حقيقة أن أفلامه لم تحقق إيرادات كبيرة في شباك التذاكر مقارنة ببعض أقرانه مثل صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وهنري بركات.
شخصيات مضطربة وسرد مختلف
يعود ما يوصَف بـ”الغموض” في أفلام يوسف شاهين إلى طبيعة شخوصه المضطربة وغير المنسجمة، إما مع نفسها أو مع محيطها، وإلى السياقات الدرامية التي تتحرك فيها. فشخصياته في عمومها تتجاذبها رغبات متضادة، وأفكار غير مكتملة، أو حتى شاذة، ودوافع تبدو ملتبسة لمن حولها.
سعاد حسني ويوسف شاهين خلال التحضير لفيلم الاختيار وبينهما علي بدرخان زوجها – مواقع التواصل
يضاف إلى ذلك أن سرد شاهين غالبًا ليس خطيًا؛ فهو لا يتصاعد وفق تقنيات السرد التقليدية في الرواية أو السينما، بل يتداخل زمنيًا، ولا ينتظمه سياق يحكم تطوّره باستثناء النوازع الداخلية لأبطاله.
وسلوك هؤلاء لا يتسم في الأساس بالانسجام مع المحيط بل يتضاد معه أحيانًا، ويثور عليه أحيانًا أخرى، أو يتخبطون في تناقضاتهم وهواجسهم الداخلية.
ويُعد “الاختيار” الذي أخرجه شاهين عام 1971، مثالًا بالغ الدلالة على هذه الحالات المعقدة والمتناقضة داخليًا ومع محيطها في الوقت نفسه، كما يُعد مثالًا على علاقته الإشكالية بجمهور يريد “أن يفهم” بينما يريد شاهين أن “يعبّر“.
الجمهور يشتم شاهين في ريفولي
يروي عزت العلايلي، بطل “الاختيار”، ردة فعل جمهور سينما “ريفولي” بالقاهرة عند عرض الفيلم للمرة الأولى (مارس/ آذار 1971):
كانت الشاشة سيئة وماكينة العرض أسوأ، والدنيا زحمة. فوجئنا أن الجمهور لم يتقبل الفيلم، وشتمنا لأنه كان يتوقع رؤية فيلم آخر بعد معرفة أسماء المشاركين فيه.
كنت جالسا وبجواري من ناحية بدر الدين أبو غازي، وزير الثقافة، ومن الناحية الثانية زوجتي، وكنت سعيدًا جدًا أنها ستشاهد نجاحاتي، لكن رد فعل الجمهور وسبّه وقذفه لنا بأفظع الشتائم، جعلنا نخرج “متنكدين”.
ويومها دوّرت (بحثت) عن يوسف شاهين لكني اكتشفت أنه اختفى، فأعدت زوجتي للبيت، وذهبت للبحث عن (جو) وكنت أعلم جيدًا أين يختفي، فذهبت إليه في مكان فى حي (الحسين) وجلسنا نتذكر ما حدث ونبكي ونضحك. وفجأة قال لي : ارم كل هذا من ورا ظهرك.
لماذا صدم الفيلم جمهور شاهين وعرّضه وكادره للشتائم؟
ثمة ما يتصل بمفهوم التلقي، وثمة ما يرتبط ببنية الفيلم المتشابكة التي تجعل تلقيه بالغ الصعوبة، خصوصًا لدى من دخلوا القاعة وهم يتوقعون فيلمًا “تقليديًا” واضح المسار.
فالفيلم يفتتح على جريمة قتل غامضة. نعرف أن القتيل (محمود) هو الشقيق التوأم للكاتب المسرحي اللامع (سيّد)، الذي كان يستعد للسفر إلى باريس للعمل في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”. ويؤدي دور الشخصيتين الممثل عزت العلايلي.
يقدم عزت العلايلي شخصيتي الشقيقين التوأم اللذين يقتل أحدهما الآخر – مواقع التواصل
هكذا، توحي البداية بأن الفيلم بوليسي، وأن الجريمة جنائية محضة. لكن علاقة “سيّد” بزوجته (شريفة)، التي تؤدي دورها سعاد حسني، تكشف تدريجيًا انزياحًا في مفهوم الجريمة ومسار البحث فيها، بحيث لا تكفي التحقيقات الجنائية وحدها لفهم ما يحدث.
فبين برود “سيّد” قبل تلقي خبر مقتل شقيقه، وبين رغبة الزوجة الجارفة التي تقابل بلا مبالاة من الزوج، تتحرك الأحداث لتتكشف عن قصة فنان نرجسي مثقل بتناقضاته الداخلية، يخضع لرغباته لا بالحياة اليومية فحسب، بل بالتموضع داخل السلطة وما توفره من صعود طبقي. ثم تأتي الجريمة لتنسف هذا الطموح.
من هو ذلك الفنان؟
يذهب “سيّد” لمقابلة وزير الثقافة لترتيب إجراءات سفره إلى باريس، فيُستقبل استقبالًا استثنائيًا يليق بمكانته وشهرته.
وهناك يسأله مدير مكتب الوزير عن مصدر إلهامه، ومن أين تأتي شخصياته الغريبة، وهل هي حقيقية، مثل “قناوي” و”هنّومة“.
الفنان داخل أفلامه ومراياه
للمطلّع على أفلام شاهين، فإن هذه الأسئلة تحيل إليه نفسه، وإلى فيلمه “باب الحديد” (1958)، الذي أدى فيه دور “قناوي“، بائع الصحف المضطرب نفسيًا والمفتون بـ”هنّومة” بائعة الكازوزة في محطة القطارات، في واحد من أشهر أدوار هند رستم.
“هنومة” (هند رستم) و”قناوي” (يوسف شاهين) في “باب الحديد” – مواقع التواصل
المرور السريع على شخصيات شاهين في “باب الحديد” داخل فيلمه “الاختيار” بوصفها شخصيات من إنتاج “سيّد”، يضيء علاقة “أعمال شاهين” بـ”الفنان شاهين” في الحياة أيضًا، لا في السينما وحسب، وعلاقته بأبطال أفلامه، وعلاقة أفلامه فيما بينها، الأمر الذي ينقل فيلمه هذا إلى فضاء مختلف ذي صلة بالفن داخل الفن، كأن من أنتج “قناوي” و”هنّومة” (يوسف شاهين في “باب الحديد“) هو “سيّد” في “الاختيار“، في لعبة تبادل أدوار معقدة بين الفنان وأبطاله.
لعبة كهذه تجعل الفيلم يتحرك في سياق دلالي موازٍ لأحداثه، وتفسر لماذا تتطور أحداثه بالتوازي مع كتابة “سيّد” لمسرحية ذات صلة بهذه الأحداث نفسها: الجريمة، والتوأم، والعلاقة بالزوجة، وهواجس الفن والكتابة.
وبذلك يبدو الفيلم كأنه مشروع كتابة أو خيال مؤلف يتحول إلى حقيقة، نكتشف من خلاله أنه القاتل أيضًا، كأن يوسف شاهين ينظر هنا إلى نفسه في مرايا احتمالاته.
وليس مصادفة أن شاهين استخدم المرايا كثيرًا في تصوير مشاهده، ولا سيما المشاهد الخاصة بالزوجة “شريفة”، حيث يبدو “سيّد” متواريًا. وهذه من طبيعة الإبداع: يختفي الكاتب وراء شخوصه حين يعبّرون عنه أو يكونون من ضمن احتمالاته.
المرايا في فيلم “الاختيار” تكشف خبايا أبطاله وخاصة سعاد حسني – مواقع التواصل
ورغم أن الفيلم يُفتتح بمقتل محمود، فإننا نفاجأ بحضوره لاحقًا..
من الذي قُتل إذًا؟
ليست هذه المفاجأة الوحيدة. فالقتيل المفترض (محمود) كان أيضًا على علاقة مع زوجة شقيقه (شريفة)، ما يدفع المحقق (محمود المليجي) إلى الاعتقاد بأنه أمسك بالدافع، وإلى تبني فرضية قيام “محمود” بالتواطؤ مع “شريفة” لقتل “سيّد” (المؤلف) ثم تقمص شخصيته، للاستحواذ على زوجته وثروته، بعد أن كان يشك أولًا في أن القاتل هو “سيّد“.
شخصيتان في واحد.. قاتل وقتيل
في موازاة ذلك، نتابع “سيّد”وهو يكتب مسرحية عن البحّار (شقيقه محمود) الذي “شعر بملل الزوجة (زوجة سيد)، وإهمال زوجها لها فيحاول التقرب إليها، ظنًا منه أنه يهوّن عنها انتظارها لزوجها المتشاغل عنها حتى اللحظات الأخيرة لسفره”.
بهذا نكون أمام شخصين ببسيكولوجيتين مختلفتين: سيّد (المؤلف) ومحمود (البحّار). وبينما يستسلم الأول لنجاحه وينخرط في منظومة اجتماعية تقوده إلى الشهرة والمال، يظل الثاني حرًا، خارج التراتبية الاجتماعية والطبقية.
هو رسام وبحّار طليق من ميناء إلى آخر. عاشق ينفر من زيف المجتمع ونفاقه، ويعيش على سجيته: قميص بنصف كم، دراجة نارية، وعلاقات مفتوحة مع شلة فنانين في “العوّامة” التي تديرها “بهية”، وتؤدي دورها هدى سلطان.
ألا يذكّر اسم “بهية” بفيلم آخر لشاهين؟
تقدم هدى سلطان دور بهية في “الاختيار” الذي تقدمه محسنة توفيق في “العصفور” – مواقع التواصل
أخرج شاهين فيلم “العصفور” عام 1972، وتؤدي فيه الممثلة محسنة توفيق دور “بهية” التي تتقاطع شخصيتها في العمق مع “بهية” في “الاختيار“، كأنهما شخصية واحدة بتنويع مختلف ليس أكثر.
لكن ما يجمع الشقيقين التوأم، سيّد (المؤلف) ومحمود (البحّار)، هي “شريفة” التي يتصارعان عليها: يتزوجها المؤلف الطامح إلى استغلال مكانتها الاجتماعية والطبقية، بينما يحبها “محمود” بصمت.
بكلام آخر، فإنّ أحدهما يمتلكها بالزواج، والآخر يستحوذ على مشاعرها.
ورغم أنها تستحوذ بدورها على مشاعر “محمود”، فإنه يرفضها عندما تعرض نفسها عليه، وتقترح الزواج منه والطلاق من شقيقه، ما يكشف نُبلًا ورفضًا للانسياق وراء رغباته، وهو ما لا يعلمه “سيّد”، الذي يراها بالصدفة وهي تخرج نصف عارية من العوامة حيث يقيم شقيقه، فيقرر قتله.
تقدم سعاد حسني دور “شريفة” التي يتصارع عليها الشقيقان – مواقع التواصل
قد يكون هذا أحد مستويات قراءة الفيلم، وهو ينطوي على مستويات دلالية أخرى. فمساعد المحقق الرئيسي يقترح تفسيرًا مختلفًا: نحن، وفقًا لتحليله، لسنا أمام جريمة قتل عادية، بل أمام ثنائية “دكتور جايكل ومستر هايد“.
يقول ذلك حرفيًا، أي أننا إزاء إنسان واحد لكن بشخصيتين، يقوم أحدهما في النهاية بقتل الآخر بدافع الغيرة أو الطمع والرغبة.
اضطراب الهوية التفارقي
تُعَدّ رواية “دكتور جايكل ومستر هايد“، التي كتبها الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون عام 1886، من أوائل النصوص الأدبية التي قاربت مبكرًا فكرة “تعدد الشخصيات“، أو ما سُمي لاحقًا “اضطراب الهوية التفارقي“، حيث يتصارع الشر والخير داخل الشخص الواحد، فإذا هو أكثر من شخص في إنسان.
وفي “الاختيار“، قد يكون القاتل، بهذا المعنى، هو المؤلف “سيّد” الذي يقتل شقيقه التوأم ثم يتقمصه، ويتنقل بين الدورين، وبين حياتين وامرأتين (شريفة وبهية)، إلى أن يقع في قبضة العدالة في نهاية المطاف، بعد أن ترك كل الدلائل التي تدينه في تسجيلات كان يقوم بها بعد انتهاء تقمّص شخصية شقيقه ليكتب مسرحيته.
“الاختيار” من الأفلام العربية القليلة التي قاربت اضطراب الهوية التفارقي – مواقع التواصل
تعثر الزوجة “شريفة” على التسجيلات، فتنتهي “لعبة التأليف” المعقدة، وينتهي الفيلم أيضًا، لكن من دون أن نعرف أو نتيقن ما إذا كان ذلك الشخص الذي أُلقي القبض عليه هو “سيّد” أو “محمود“، خاصة أن المشهد الأخير في الفيلم يُظهر رجلًا في “ثياب المجانين” يصارع نفسه، كأنه اثنان ما زالا يتصارعان فيما بينهما.
وبالإضافة إلى ذلك، يظل الفيلم متعدد المستويات: علاقة الفن بالحياة عبر المسرحية التي يكتبها المؤلف، والمخرج (يوسف وهبي) الذي يخرجها، بالتوازي مع تطور الأحداث نفسها، كأن الفن هنا يعكس تعقيد الحياة ولاوعي الأبطال.
ومع الإشارات إلى “عطيل” (شكسبير) وإلى خيانات تتجاوز معناها المباشر، يبدو هذا اللاوعي جمعيًا ومتحكمًا بحيوات الأفراد رغمًا عنهم.
خلال وجوده في العوّامة يسأل البحّار (محمود) شلته:
“عارفين في آخر الطريق الواحد بيقابل مين؟”
فيجيبون:
“ربنا؟ الشيطان؟”
لكن إجابة محمود تأتي صادمة:
“الواحد هيقابل الأسوأ من الشيطان.. هيقابل نفسه. وعشان يقابل نفسه لازم يكون عبدًا للحقيقة”.
لكن ما هي الحقيقة؟ لا أحد يعرف، في الفيلم كما في الحياة.
كتب نجيب محفوظ قصة “الاختيار” في ثالث تعاون مع يوسف شاهين – مواقع التواصل
يقارب الفيلم ما صُنّف لزمن طويل “فصامًا” (الشيزوفرينيا)، بينما هو أقرب إلى “اضطراب الهوية التفارقي“، وهو اضطراب نفسي يتسم بوجود شخصيتين أو أكثر بذاكرة مستقلة داخل الفرد نفسه (دكتور جايكل وسيد هايد)، وقد ينتقل المصاب بين هذه الشخصيات (اثنتان أو أكثر)، من دون أن يتذكر الأحداث أو المعلومات الخاصة بكل شخصية.
أما الفصام (الشيزوفرينيا)، فهو مرض عقلي بالدرجة الأولى، وهو اضطراب ذهاني يحتفظ فيه المصاب بهوية واحدة، لكنه قد يعاني من هلوسات سمعية أو بصرية، وأوهام، واضطراب في اختبار الواقع.
وفي حين يرتبط الفصام بعوامل وراثية واختلالات كيميائية في الدماغ، يرتبط اضطراب الهوية التفارقي غالبًا بصدمات نفسية شديدة.
ومن أشهر الأفلام التي قاربت الفصام، فيلم “عقل جميل” (2001) الذي يروي قصة جون ناش الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وقام ببطولته راسل كرو، وحصد عدة جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج.
يروي “عقل جميل” قصة جون ناش الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد – مواقع التواصل
أما عربيًا فيعتبر فيلم “آسف على الإزعاج” من أفضل الأفلام التي قاربت الفصام في السينما العربية، وهو من إنتاج عام 2008، وبطولة أحمد حلمي ومنة شلبي ودلال عبد العزيز ومحمود حميدة.
ويُعد “الاختيار” من أفضل الأفلام العربية التي قاربت “اضطراب الهوية التفارقي“، وبدرجة أقل فيلم “بئر الحرمان” (1969) للمخرج كمال الشيخ، بطولة سعاد حسني ومريم فخر الدين ومحمود المليجي ونور الشريف.
ففي “بئر الحرمان“، المأخوذ عن أحد نصوص إحسان عبد القدوس، تبدو المعالجة أقل تعقيدًا من حقيقة الاضطراب نفسه، وتميل إلى الشرح أكثر من تمثيل دينامياته الداخلية المعقدة. ومع ذلك تُحسب له جرأته في مقاربة موضوع بالغ التعقيد دراميًا في وقت مبكر من تاريخ السينما المصرية.
ملصق فيلم “بئر الحرمان” الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1969 – مواقع التواصل
وبالإضافة إلى هذين الفيلمين، هناك أعمال أخرى أقل أهمية قاربت الفكرة نفسها إما بشكل كوميدي أو بسذاجة مفرطة، مثل “عفريت مراتي” (1964) للمخرج فطين عبد الوهاب، بطولة شادية وصلاح ذو الفقار، و”ذات الوجهين” (1973) بطولة شادية وعزت العلايلي، وإخراج حسام الدين مصطفى.
كتب قصة “الاختيار” للسينما نجيب محفوظ (1911 – 2006)، في ثالث تعاون له مع يوسف شاهين، بعد مشاركته في كتابة السيناريو والحوار لفيلم “جميلة” (1958)، ومشاركته في إعداد المعالجة الدرامية لفيلم “الناصر صلاح الدين” (1963)، اللذين أخرجهما شاهين.


