ثقافة وفنون

فيلم البوسطجي: روائع يحيى حقي وسينما الواقعية المصرية

لقطة كلاسيكية من فيلم البوسطجي للسينما المصرية

يعد فيلم «البوسطجي» إحدى أبرز روائع الأديب الراحل يحيى حقي، والتي نشرت في الأصل تحت عنوان «دماء وطين». وشهدت الشاشات عرض الفيلم لأول مرة عام 1968 بتوقيع المخرج حسين كمال، ليحجز لنفسه مكانة متقدمة باحتلاله المركز الثاني عشر ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية. ومؤخرًا، اختارت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي العمل ليعرض ضمن برنامج كلاسيكيات السينما المرممة كواحد من 27 فيلمًا جرى اختيارها بعناية.

تعود جذور القصة إلى عام 1933، حين كتب يحيى حقي روايته القصيرة التي لا تتجاوز خمسين صفحة أثناء إقامته في إسطنبول بحكم عمله الدبلوماسي. وتصف الرواية مجتمع الصعيد من خلال واقع عايشه الكاتب بنفسه في قرية «كوم النحل» النائية بالصعيد الجواني، حيث ساد الفقر والبؤس والتخلف. وفي اعترافات أدبية له، يقول حقي إنه كان متأثرًا بقصة «الأبله» لدستويفسكي، مستحضرًا تلك الشخصية المحايدة التي لا عليها ولا لها، والتي تقلب حياة المجتمع الذي تخالطه، لينبش مجرد ظهورها بين الأفراد ما يخفونه من نوازع وعواطف، فتكون القنطرة الصماء التي يعبرون عليها إلى مصيرهم.

image

تبدأ حكاية الفيلم بوصول بطلها عباس، ناظر البريد الذي قام بطولته الفنان شكري سرحان، بعد نقله من القاهرة إلى قرية بصعيد مصر. ومنذ لحظته الأولى في القرية، يبدأ عباس في المقارنة بين بيئتين متباينتين؛ القاهرة بملذاتها ووسائل رفاهيتها، والقرية البدائية بمللها وكآبتها. ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة، فمع أول معاملة بينه وبين رجال القرية، اصطدم بجشع العمدة واستغلاله عندما طلب منه استأجار منزل للإقامة. ومع مرور الوقت، اكتشف البوسطجي فيهم طبائع النفاق وتدبير السوء، وتجلى ذلك بوضوح في مشاهد متنوعة، أبرزها استضافته لـ«غازية» في منزله وما أعقب ذلك من تجمهر الأهالي مطالبين إياه بالكف عن أفعاله، ليثور في وجوههم ويبدأ في تحديهم.

تتخذ الأحداث منحى دراماتيكياً متصاعداً مع ظهور شخصية «جميلة»، التي تجسدها الفنانة زيزي مصطفى في أول أدوارها السينمائية. وهي ابنة سلامة، أحد أعيان القرية، وتلتحق بالمدرسة «الأمريكانية» التي افتتحت أبوابها في أسيوط على بعد عشرين كيلومتراً من قريتها. وهناك في المدينة، تقع جميلة في حب خليل، الطالب بالمدرسة، وتتطور الامور فوقعتا في الخطيئة التي اكتشفها عباس لاحقاً من خلال فتحه الخطابات المتبادلة بين الحبيبين بمكتب البريد، سعياً للتسلية وقتل فراغه وملله.

image

وفي اللحظة ذاتها التي كان عباس يبحث فيها عن جميلة ليسلمها الخطابات المفقودة، يصعق للمشهد الجنائزي المؤلم بانتهاء حياة الفتاة قتلًا على يد والدها غسلًا للعار وانتقامًا للشرف، حيث حملها قتيلة وطاف بها القرية كلها. وأمام هذا الواقع المفجع، تأكد البوسطجي بأنه كان أحد المتسببين فيما حدث، ليهيم على وجهه ملقياً بالخطابات التي بحوزته لتتناثر في الهواء، في واحدة من أكثر نهايات السينما المصرية تأثيراً وعمقاً.

Aya Mohamed

أحب الثقافة والقراءة والفعاليات الفنية والإصدارات الأدبية. أتابع أخبار الكتب والكتّاب والمعارض، وأستمتع باكتشاف الأصوات والتجارب الثقافية الجديدة.