لم تعد عمليات الاحتيال الإلكتروني تعتمد على الرسائل العشوائية والتقليدية التي يسهل على المستخدمين اكتشافها، إذ تطورت أدوات الجريمة السيبرانية بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي الذي بات قادرًا على تحليل منشورات المستخدمين وصورهم على منصات التواصل الاجتماعي، واستخراج تفاصيل دقيقة عن حياتهم اليومية لاستخدامها في إعداد رسائل احتيالية تبدو حقيقية وشخصية للغاية.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة تكساس بمدينة أرلينجتون الأمريكية، أن نماذج الذكاء الاصطناعي يمكنها استغلال المعلومات المنشورة علنًا على منصات مثل إنستجرام لإنشاء رسائل بريد إلكتروني موجهة بدقة شديدة، اعتمادًا على الاهتمامات الشخصية للضحايا والأنشطة التي يمارسونها والأماكن السياحية التي زاروها حديثًا.
وتتحول الصور البسيطة التي ينشرها المستخدمون من رحلاتهم أو منشوراتهم حول الفعاليات الفنية والحفلات الموسيقية التي ينتظرون حضورها إلى بنك معلومات يستغله المحتالون لصناعة رسائل احتيالية شديدة الإقناع. ويستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل هذه التفاصيل بعناية، ثم توظيفها في صياغة رسائل تتضمن معلومات حقيقية تمامًا عن حياة الضحية، مع إمكانية تعديل أسماء المرسلين وموضوعات البريد الإلكتروني والروابط المرفقة لتبدو الرسالة وكأنها صادرة عن جهة رسمية أو موثوقة.
ويُعرف هذا الأسلوب المتقدم باسم التصيد الاحتيالي الموجه، وتكمن خطورته الحقيقية في القدرة الهائلة للذكاء الاصطناعي على جمع المعلومات وتحليلها وإعداد الرسائل تلقائيًا وبسرعة فائقة، مما يسمح للمحتالين باستهداف قطاعات واسعة من الأفراد وبجهد أقل بكثير مقارنة بالطرق التقليدية.
وفي محاولة لاختبار كفاءة الإجراءات الأمنية، اختبر الباحثون ثلاث أدوات مخصصة للحماية من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، وهي “لاما جارد” و”شيلد جيمّا” و”وايلد جارد”. وأسفرت الاختبارات عن نتائج مقلقة تمثلت في أن معدلات اكتشاف هذه الأدوات لطلبات إنشاء رسائل التصيد المخصصة تراوحت بين صفر و19% فقط في إعداداتها المعتادة والاقتصادية.
غير أن الأبحاث أثبتت أن تحسين التعليمات الموجهة وتطوير آليات تلك الأنظمة ساهم في رفع معدلات الاكتشاف بصورة ملحوظة لتصل إلى 99%، ومن المقرر أن تُعرض النتائج التفصيلية لهذه الدراسة خلال مؤتمر متخصص في الأمن السيبراني من المزمع انعقاده في مارس 2027.
وتؤكد الدراسة أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في المعلومات أو النصوص التي يختلقها الذكاء الاصطناعي، بل في قدرته الفائقة على استغلال تفاصيل حقيقية ينشرها المستخدمون بأنفسهم بحسن نية، وتحويلها إلى وسيلة احتيالية بالغة الدقة يصعب كشفها.
ولمواجهة هذه التحديات المتصاعدة، يوصي الخبراء بضرورة اتباع إجراءات وقائية مشددة تشمل تجنب نشر تفاصيل دقيقة عن التحركات اليومية وخطط السفر المستقبلية، وضبط إعدادات الخصوصية لجعل الصور والمنشورات متاحة للأشخاص الموثوقين فقط، والتدقيق بعناية في عناوين البريد الإلكتروني قبل التعامل مع أي رسائل واردة، وتجنب النقر على أي روابط تطلب بيانات شخصية أو مصرفية دون التأكد التام من مصدرها، مع ضرورة عدم الوثوق المطلق في الرسائل لمجرد احتوائها على معلومات حقيقية تخص حياة المستخدم.
