احتجاجات إيران.. استحقاقات طبيعية للشارع أم حسابات القوى الخارجية؟

مع دخول الاحتجاجات المعيشية في إيران أسبوعها الثالث، تحاول السلطات احتواء الغضب الشعبي بخطاب اقتصادي، بالتوازي مع توجيه الاتهام إلى أطراف خارجية.
فقد اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بإدارة أعمال الشغب بهدف زعزعة استقرار بلاده، مؤكدًا في أول ظهور متلفز له منذ اندلاع التظاهرات أن حكومته أعادت هيكلة الاقتصاد، داعيًا المواطنين إلى الصبر حتى تظهر النتائج.
في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده تراقب التطورات في إيران وتدعم ما وصفه بـ”نضال الإيرانيين من أجل الحرية”، فيما نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس عدة خيارات لدعم الاحتجاجات وإضعاف النظام، بينها سيناريوهات عسكرية ناقشها البيت الأبيض من دون اتخاذ قرار نهائي بعد.
وفي ظل ضبابية المشهد، أفادت مصادر للتلفزيون العربي بأن الجيش الإسرائيلي رفع مستوى الجهوزية وعزّز منظومات الدفاع الجوي، وسط تقديرات تشير إلى احتمال توجيه ضربة جوية أميركية لإيران في الفترة المقبلة.
تدخل خارجي واضح
من طهران، يقول مختار حداد، رئيس تحرير صحيفة “الوفاق” الإيرانية، إن وجود عامل خارجي في الاحتجاجات بات واضحًا، لافتًا إلى تراجع أعمال الشغب مقارنة بالأيام الأولى، حسب قوله.
ويشير في حديث إلى التلفزيون العربي، إلى أن التدخل الأميركي بدأ منذ اليوم الأول عبر تصريحات وتغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تلتها نشاطات لحسابات إسرائيلية تحدثت عن وجود عملاء لها في الشارع الإيراني، معتبرًا ذلك دليلاً على محاولات التأثير في استقرار البلاد.
ويضيف حداد أن ما يجري يمثل “مرحلة ثانية” من حرب الأيام الاثني عشر، عبر تحويل احتجاجات مطلبية محدودة إلى أعمال شغب وعنف، شملت حرق مساجد ومصاحف واعتداءات في الشوارع، وفق قوله، مؤكدًا أن هذه الأحداث موثقة وأن منفذيها ليسوا أشخاصًا عاديين.
كما يعتبر أن دعوات نجل شاه إيران السابق لتدخل أجنبي تكشف بوضوح حجم المساعي الخارجية. وشدد على أن أي هجوم خارجي سيؤدي إلى توحيد الإيرانيين، مؤكدًا أن الشارع الإيراني مستاء من أعمال الشغب وقتل الشرطة وحرق الممتلكات.
وختم بالقول إن هدف الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود هو إسقاط النظام، إلا أن إيران دولة متماسكة، وأي حرب ضدها ستكون مقامرة تشعل المنطقة بأكملها ومصيرها الفشل.
وتابع: “أي حرب تشن ستكون مقامرة وستشعل المنطقة كلها وليس إيران فقط، كل الوجود الأميركي سيكون هدفًا لإيران”.
“تحرير الشعب الإيراني”
من واشنطن، يقول جورج لاندريث، عضو الحزب الجمهوري، إن الشعب الإيراني عبّر مرارًا عن امتعاضه من نظامه، مشيرًا إلى أن أي انتقاد للنظام يُقابل بالقمع والقتل، وهي الانتهاكات التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محذراً من أن استمرارها ستكون له تبعات.
ويستبعد لاندريث في حديث إلى التلفزيون العربي، أي تدخل بري أميركي، مؤكدًا أن الشعب الإيراني لا يريد وجود قوات أميركية ولا أن يُحكم من قبل واشنطن أو إسرائيل، بل يطالب بالحرية والفرص.
ويعتبر أن النظام الإيراني، على غرار الأنظمة الشمولية، يلقي باللائمة على أطراف خارجية عند مواجهة غضب الشارع، حسب رأيه.
ويضيف أن الولايات المتحدة لا ترغب في خوض حروب جديدة، لكنها قد تلجأ إلى ضربات جوية إذا استخدم النظام القوة المفرطة ضد المحتجين، مرجحًا أن يكون أي تحرك عسكري محدودًا، ومشددًا على أن هدف واشنطن ليس السيطرة على إيران، بل ما وصفه بتحرر الشعب الإيراني.
غياب بديل واضح
ومن الناصرة، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي، جاكي خوري، إن دور العامل الخارجي في ما يجري داخل إيران يبقى محدودًا ما لم تتوافر أرضية شعبية واسعة قادرة على الدفع باتجاه إسقاط النظام، معتبرًا أن الحالة الإيرانية مختلفة ومعقدة ولا تنطبق عليها نماذج التغيير التي شهدتها دول أخرى في الشرق الأوسط.
ويوضح خوري في حديث إلى التلفزيون العربي، أن التحرك الحالي جاء أساسًا نتيجة الضغط الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية، مشيرًا إلى أن أي إسقاط للنظام لا بد أن يكون داخليًا، كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويشير إلى أن تجربة إسقاط النظام في العراق وما آلت إليه الأمور تجعل من الصعب تكرار هذا السيناريو، مستبعدًا أن يكون هناك تدخل مباشر لإسرائيل عسكريًا، باستثناء تحركات استخباراتية محدودة.
وتابع بالقول: “ما يريده نتنياهو هو أن الحراك لا يأتي برد فعل على إسرائيل مثل إطلاق صواريخ بعيدة المدى على الأراضي الإسرائيلية”.
ويشير إلى أن التقديرات الإسرائيلية ترى أن سقوط النظام الإيراني ليس أمرًا سهلًا ولن يحدث خلال أيام أو أسابيع، في ظل غياب بديل واضح قادر على حكم البلاد.
ويتابع خوري: “رغم أن إسرائيل تنظر للقضايا بمنظار ضيق إلا أن هناك العامل الصيني والباكستاني والسعودي وهناك قضايا ترتبط بالنفط والأسلحة والذخيرة”، مؤكدًا أن “الأمور ليست بهذه السهولة وليس فقط خط واشنطن طهران هو الذي سيحدد مصير النظام في إيران”.


