بعد اعتقال مادورو.. هل تمتلك واشنطن خطة واضحة لإدارة فنزويلا؟

عقب اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، أصبح المشهد السياسي في كاراكاس مفتوحًا على احتمالات متباينة، دون إجابات حاسمة من واشنطن.
فالخطاب الأميركي، رغم حضوره المكثف، لم يرتقِ إلى مستوى خطة معلنة تحدد المسار السياسي والأمني للمرحلة التالية. وبين حديث عن انتقال، ودعوات إلى الاستقرار، تغيب الآليات والجداول والضمانات.
لكن هذا الغموض لا يعكس ارتباك اللحظة، بل يطرح تساؤلات أعمق بشأن حدود الرؤية الأميركية ومآلات الأزمة الفنزويلية.
“مرحلة انتقالية” في فنزويلا
وقال ترمب، بشأن المرحلة المقبلة في فنزويلا، إن الولايات المتحدة الأميركية هي التي ستدير البلاد، إلى حين التمكن من انتقال آمن وسليم ومدروس للسلطة دون أن يوضح كيفية ذلك.
كما أوضح ترمب أن من وصفهم بـ”مسؤولين أميركيين يقفون خلفه”، سيقودون فنزويلا خلال المرحلة الانتقالية، منهم وزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولون عسكريون مثل وزير الدفاع بيت هيغيسث وغيرُه.
وأكّد ترمب أنّ إدارة واشنطن لفنزويلا ستكون بالتعاون مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، التي أمرتها المحكمة العليا الفنزويلية بتولّي الرئاسة مؤقتًا، بدل الرئيس المعتقل نيكولاس مادورو.
وقد أشار ترمب إلى أن وزير خارجيته ماركو روبيو، أجرى مكالمة هاتفية مع رودريغيز.
ما الرؤية الأميركية للمرحلة التالية بعد مادورو بفنزويلا، وأي مآلات للوضع إن انعدمت خطة بديلة؟ pic.twitter.com/CBipJqNOAb
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) January 4, 2026
وخلافًا لتوقعات بعض الجهات الدولية خصوصًا الأوروبيين، لم يسند ترمب الأمر إلى زعيمة المعارضة البارزة والحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو. وأكد الرئيس الأميركي في معرض حديثه عن ماتشادو، أنه لم يتصل بها، بل إنه ذهب لأبعد من ذلك، عندما أعرب عن اعتقاده بصعوبة أن تكون هي القائدة لأنّها لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد، على حد تعبيره.
ترمب لا يستبعد استخدام القوة مجددًا
ورغم أن ترمب لم يعلن عن نشر قوات أميركية كبيرة داخل فنزويلا، إلا أنه لم يستبعد خيار استخدام القوة عند الحاجة، لتحقيق أهدافه، في إشارة على ما يبدو لاحتمالية عدم تعاون نائبة الرئيس وفريقها مع واشنطن.
ولعل التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خير دليل على ذلك، إذ قال روبيو: “إن واشنطن مستعدة للعمل مع من بقي من القادة في فنزويلا، إذا اتخذوا القرار الصائب”، على حد تعبيره.
كما أشار في سياق حديثه عن العقوبات الأميركية المفروضة على قطاع النفط في فنزويلا، إلى أنّ الموقف الأميركي سيُحدد بناء على ما يفعله القادة الفنزويليون الحاليون.
كذلك لم يخف ترمب، في توجهاته المعلنة، وجود مطامع أميركية في النفط الفنزويلي، إذ أفصح علنًا أنه سيسمح لشركات النفط الأميركية بالتوجه إلى فنزويلا، لاستغلال احتياطياتها الهائلة من النفط الخام، وبيع كميات كبيرة منه لاحقًا إلى دول أخرى.
وفي المقابل، يبدو أن التصريحات التي تأتي من كاراكاس تتجه خلافًا للأشرعة الأميركية، إذ أعلن وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو، استنفار القوات المسلحة في أنحاء البلاد كافة، لضمان السيادة، كما رفض ما وصفها بـ”عملية الاختطاف الجبانة” لرئيس البلاد نيكولاس مادورو.
وبموازاة ذلك، من المتوقع أن تبذل واشنطن جهودًا دبلوماسية وسياسية كبيرة على الساحة الدولية، لتثبيت سياسة الأمر الواقع في فنزويلا، وترسيخ مصالحها الإستراتيجية في منطقة الكاريبي.
وتشير معطيات سياسية إلى أن إدارة ترمب ستسعى للتعاون مع حلفائها في أميركا اللاتينية من جهة، والاستمرار في تهديد الخصوم من جهة أخرى، ليس فقط لتشكيل الوضع السياسي والاقتصادي في فنزويلا وفقًا لمصالحها، بل ولتعزيز النفوذ الأميركي في المنطقة.
هل من خطة أميركية لإدارة فنزويلا؟
وفي هذا السياق، يستبعد الأكاديمي والباحث في جامعة جورج واشنطن بنيامين فريدمان أن يكون لدى ترمب خطة أميركية متسقة لإدارة فنزويلا.
ويقول في حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن: “إن ترمب لا يقول أمورًا صحيحة في الغالب تمامًا كما حدث عندما تحدث عن قطاع غزة، وحينها لم يكن لديه خطة بل تحدث ارتجاليًا”.
ويرجح فريدمان أن ترمب يسعى لتعزيز العلاقة مع النافذين في الحكم في كاراكاس للوصول إلى صفقة تضمن حصول الولايات المتحدة على إيرادات فنزويلا، مستبعدًا حدوث جولة تصعيد عسكري جديدة.
هل هناك تصور أميركي لما سيحدث في فنزويلا بعد اعتقال مادورو؟ pic.twitter.com/hvt7fzMFJw
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) January 4, 2026
ويلفت فريدمان إلى احتمال التوصل إلى اتفاق يتيح للشركات الأميركية التنقيب عن النفط في فنزويلا مقابل رفع العقوبات عنها.
ومن جانبه، يشير عضو الحزب الإشتراكي الموحد الحاكم خالد الهندي إلى أن الشعب الفنزويلي سوف يتحرك لدعم جيش بلاده.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من كاراكاس، يرى الهندي أن فنزويلا قد تغير في سياستها لكي تتفادى اعتداء أميركيًا جديدًا، في ظل مطامع إداة ترمب بالنفط الفنزويلي.
أكبر احتياطيات النفط في العالم
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات النفط في العالم، فالتقارير المختصة في قطاع الطاقة، تشير إلى امتلاك فنزويلا قرابة 17% من الاحتياطيات العالمية أي 303 مليار برميل من النفط، متقدمة بذلك على السعودية التي تتصدر منظمة “أوبك”.
لكن الإنتاج في فنزويلا يقف عند جزء بسيط من طاقتها بسبب سوء الإدارة ونقص الاستثمار والعقوبات المفروضة عليها منذ أعوام. فالحظر الأميركي على جميع النفط الفنزويلي ما يزال ساري المفعول بالكامل.
وقبل الأحداث الأخيرة، جرت مفاوضات غير رسمية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بين الولايات المتحدة وفنزويلا، بحثت سبل التخفيف من التوتر ومن حدة العقوبات الأميركية، مقابل تنازلات من كاراكاس، تسمح بموجبها لشركات الطاقة الأميركية بالعودة إلى فنزويلا، وقطع الاتفاقيات مع الشركات الصينية والروسية، حسب تقارير أميركية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، كانت فنزويلا تنتج ما يصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميًا، وهو ما كان يمثل في ذلك الوقت أكثر من 7% من إنتاج النفط العالمي، قبل أن ينخفض إنتاجها إلى أكثر من مليون برميل بقليل العام الماضي، أي ما يمثل 1% فقط من الإنتاج العالمي.
وقد يؤدي أي تحسن في الواقع السياسي خلال الأيام المقبلة، إلى زيادة النفط في السوق مع مرور الوقت، وإن كان ذلك يستغرق وقتًا حتى يتعافى قطاع النفط بالكامل، مع حلحلة ملف العقوبات وعودة الاستثمارات الأجنبية.
كذلك تمتلك فنزويلا احتياطات من الغاز الطبيعي، بنحو خمسة تريليونات متر مكعب ونصف، ما يجعلها من الدول الكبرى في احتياطيات الغاز حول العالم.
ويختزن باطن أرضها ثروات هائلة من المعادن، على رأسها الذهب، حيث بلغ احتياطها في الربع الأول من عام 2024، 161 طنًا، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.
كما تضم ثروات فنزويلا معادن أخرى أهمها الفضة والبوكسيت والنيكل والتيانيوم التي تدخل في صناعات المستقبل.


