أبعاد

أطباق رأس السنة حول العالم.. تقاليد وطعام يجلب الحظ

تُشكّل أطباق رأس السنة جزءًا أساسيًا من طقوس الاحتفال حول العالم؛ إذ لا تقتصر أهميتها على كونها وجبات تُقدَّم على الموائد، بل تحمل في طيّاتها رموزًا ثقافية واجتماعية تعكس آمال الشعوب مع بداية عام جديد. 

وبينما تختلف العادات من بلدٍ إلى آخر، تتشابه الدلالات في كثير من الأحيان: حبوبٌ تُشبه العملات المعدنية، وخضارٌ خضراء ترمز للمال، وأطعمةٌ بحرية تُستحضر بوصفها علامة على الخصوبة وطول العمر، وحلوى تحمل “مفاجأة” تُعلن عن نصيبٍ مبكر من السعادة.

هكذا تصبح وصفات رأس السنة أشبه بمرآةٍ للذاكرة الجماعية: تمتزج فيها الأسطورة بالتاريخ، وتلتقي فيها تقاليد المهاجرين بأطباق المدن الحديثة.

أطباق رأس السنة حول العالم

في هذه الجولة، نستعرض أطباقًا ارتبطت بليلة رأس السنة أو بأيامها الأولى في ثقافات مختلفة، من الجنوب الأميركي إلى المتوسط وأميركا الوسطى واليابان وإسبانيا، حيث لا تُؤكل الوصفات لمجرّد الطعم، بل لأن الناس اعتادوا أن يروا فيها “بشارة” عامٍ أفضل.

خريطة أطباق الحظ حول العالم

  • أميركا: هوبين جون + كعكة الملوك + التاماليس

  • اليابان: توشيكوشي سوبا

  • إسبانيا: 12 حبة عنب

  • إيطاليا: العدس

  • شمال أوروبا: الرنجة المخلّلة

هوبين جون

يُعدّ هذا الطبق من الأطباق الرئيسية في المطبخ الجنوبي الأميركي(1)، ويتكوّن عادةً من مزيج من الفاصوليا/ البازلاء السوداء (Black-eyed peas) والأرز ولحم الخنزير.

نشأ هذا الطبق مع الأفارقة المستعبدين في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما في منطقة “لو كانتري” بولاية كارولاينا الجنوبية.

ويُرجّح أن يكون هذا الطبق مرتبطًا باحتفالات رأس السنة، إذ كان الأفارقة يُعدّونه ويتناولونه خلال فترة راحة نادرة من الحصاد والزراعة. وربما تطوّر لاحقًا ليصبح “وجبة تجلب الحظ” في اليوم الأول من العام(2).

وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز(3)، فإن أول ظهور موثّق لاسم “هوبين جون” في المطبوعات كان في رواية “ذكريات سيدة جنوبية” عام 1838. ويُقدَّم هذا الطبق عادةً مع الكرنب الأخضر وخبز الذرة.

 يرتبط “هوبين جون” باحتفالات رأس السنة في الجنوب الأميركي – غيتي

ويعزو بعض مؤرخي الطعام اسمه غير المألوف إلى تحريف لكلمة “pois pigeons” الفرنسية، التي تعني البازلاء المجففة، والتي تُنطق “باو-بيجون”، ما قد يكون بدا قريبًا من “هوبين جون” بالنسبة للناطقين بالإنكليزية.

ويربط البعض شكل البازلاء السوداء بالعملات المعدنية. وتشمل التقاليد الأخرى تناول 12 حبّة في رأس السنة، حبّة لكل شهر، لجلب الحظ السعيد، بينما يرمز الكرنب الأخضر إلى المال، وخبز الذرة إلى الذهب.

معلومات سريعة عن هوبين جون

  • يرمز إلى: الحظ/ الرخاء

  • العناصر الأساسية: بازلاء سوداء + أرز + لحم (غالبًا)

  • مرافَقات شائعة: كرنب أخضر + خبز ذرة

كعكة الملوك

في الولايات المتحدة الأميركية، يعرف سكان ولاية لويزيانا ومحبو كرنفال “ماردي غرا” كعكةَ الملوك الحلوة ذات الشكل الدائري، والمغطاة بطبقة من الكريمة الملوّنة، والمخبوزة مع هدية صغيرة مخبّأة بداخلها، مثل دمية بلاستيكية. ويُطلق على الشخص المحظوظ الذي يعثر على الهدية لقب “ملك” أو “ملكة” ذلك اليوم.

وتبدأ المخابز في نيو أورليانز وفي أنحاء الولايات المتحدة ببيع هذه الكعكة في أوائل يناير/ كانون الثاني، وتُؤكل تقليديًا في السادس من يناير/ كانون الثاني.

 تُخبّأ “مفاجأة” داخل كعكة الملوك.. ومن يعثر عليها يتوَّج “ملكًا” أو “ملكة” ليومٍ واحد – غيتي

ووفقًا لإذاعة “أن بي آر”(4)، يعود تاريخ الكعكات البيضاوية البسيطة التي تُؤكل في ليلة السادس من يناير/ كانون الثاني إلى أوروبا القديمة، وقد انتقل هذا التقليد لاحقًا إلى أميركا.

وبالمثل، تُخبَز كعكة “فاسيلوبيتا”، التي تُقدَّم في اليونان وقبرص، غالبًا مع قطعة نقدية بداخلها، وتُقدَّم في رأس السنة الميلادية. وتوجد نسخ أخرى منها في إسبانيا ودول أميركا اللاتينية تُسمّى “روسكا دي رييس”، وفي البرتغال “بولا ري”، وفي فرنسا “جالو دو روا“.

نسخ عديدة من كعكة الملوك تقدّم في رأس السنة:

  • اليونان/ قبرص: “فاسيلوبيتا” (قطعة نقدية)

  • إسبانيا وأميركا اللاتينية: “روسكا دي رييس”

  • البرتغال: “بولا ري”

  • فرنسا: “جاتو دو روا”

التاماليس

في المكسيك، أصبحت “التاماليس”، وهي لفائف من عجينة الذرة المحشوة باللحم والمغلّفة بقشور الذرة والمطهوة على البخار، رمزًا للعائلة، حيث تجتمع الأجيال في المطبخ لإعداد هذا الطعام الذي يُستهلك طوال موسم الأعياد وعلى مدار العام.

“التاماليس” طبق عائلي بامتياز.. يُحضَّر جماعيًا ويُرافق موسم الأعياد  – غيتي

ويعود تاريخ التاماليس إلى ما بين 8000 و5000 قبل الميلاد، وإلى حضارات أميركا الوسطى، بما في ذلك حضارتا المايا والأزتيك. ووفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز”(5)، فقد وصلت إلى الولايات المتحدة عبر نقاط الدخول، مثل لوس أنجلوس وسان أنطونيو، وبدأ الباعة المتجولون ببيعها في سبعينيات القرن التاسع عشر.

وساهم العمال المكسيكيون المهاجرون في انتشار هذا الطبق إلى مناطق أخرى من البلاد.

نودلز سوبا

يُعدّ تناول حساء “توشيكوشي سوبا”، وهو حساء مع نودلز الحنطة السوداء التي تُعرف بـ“معبر العام”، تقليدًا يابانيًا يُمارَس ليلة رأس السنة.

ترمز النودلز الطويلة والرفيعة إلى حياة مديدة وصحية – غيتي 

ووفقًا لصحيفة “جابان تايمز(6)، فإن توشيكوشي تعني “الصعود أو القفز من العام القديم إلى العام الجديد”.

وترمز هذه النودلز الطويلة والرفيعة إلى حياة مديدة وصحية، ويعود تاريخها إلى القرنين الثالث عشر أو الرابع عشر، “عندما قرّر معبد أو أحد النبلاء الأثرياء إطعام عامة الشعب بنودلز سوبا في آخر يوم من السنة”.

في لحظة الانتقال من عامٍ إلى آخر، يتحوّل الطعام إلى “لغة” كاملة: يُقال عبرها ما يُراد للعام المقبل أن يكونه من وفرةٍ وصحةٍ واستقرارٍ وحظٍّ سعيد.

العنب الجالب للحظ

في إسبانيا، يمارس السكان التقليد المعروف باسم “لاس دوسي أوفاس دي لا سويرتي”، الذي يشير إلى أن تناول اثنتي عشرة حبّة عنب عند منتصف الليل – حبّة مع كل دقّة من دقات الساعة – سيجلب الحظ السعيد في العام المقبل.

وترمز كل حبّة عنب إلى شهر من شهور السنة، ووفقًا لهذا التقليد، فإن عدم تناول الاثنتي عشرة حبّة في الوقت المحدد سيجلب سوء الحظ في العام القادم.

 12 حبّة عنب.. 12 دقّة.. و”وعد” بحظٍّ يمتد على مدار العام – غيتي

وتشير إذاعة “أن بي آر” إلى أن هذا التقليد بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث ذكرت الصحف أن الطبقة البرجوازية في مدريد استعارت تقاليد العنب والشمبانيا من الفرنسيين.

العدس

أمّا موائد رأس السنة الإيطالية، فتتضمن عدة أطباق تُقدَّم على مدار ساعات.

ومن بين الأطباق التي يُقال إنها تجلب الحظ السعيد تلك التي تحتوي على العدس؛ فهو مستدير الشكل، ويشبه العملة المعدنية، ويرمز إلى الرخاء، وغالبًا ما يُقدَّم مع النقانق.

سمك الرنجة المخلّل

كذلك يُعدّ السمك رمزًا للخصوبة وطول العمر والوفرة، كما يرمز لونه الفضي إلى الحظ. وهو طبق شائع في ليلة رأس السنة في العديد من الثقافات، ولا سيما لدى المنحدرين من أصول إسكندنافية وألمانية وبولندية. وغالبًا ما تُقدَّم الرنجة المخلّلة، وهي سمكة صغيرة دهنية، على موائد رأس السنة.

ولطالما كانت الرنجة طبقًا أساسيًا في الدول الإسكندنافية والهولندية وشمال أوروبا منذ العصور الوسطى، ويعود ذلك جزئيًا إلى وفرتها التي أصبحت رمزًا لها، مما جعلها تقليدًا شائعًا وميمونًا في رأس السنة.

 فضّة البحر على المائدة.. رمزٌ للوفرة والحظ – غيتي

تكشف أطباق رأس السنة حول العالم أن الطعام يتجاوز كونه وسيلة للغذاء، ليصبح لغة مشتركة تعبّر بها الشعوب عن آمالها وتطلعاتها مع بداية عام جديد. ومع اختلاف المكوّنات وتنوّع الوصفات، يبقى القاسم المشترك واحدًا: رغبة الإنسان في أن يبدأ عامًا جديدًا بخيرٍ كثير—ولو على هيئة طبقٍ صغير يحمل “رمزًا” كبيرًا.

H'fhr vHs hgskm p,g hguhgl>> jrhgd] ,'uhl d[gf hgp/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني