من الفراعنة إلى البيزنطيين.. أبرز الاكتشافات الأثرية في العالم العربي خلال 2025

على امتداد الصحراء والوديان والسواحل في العالم العربي، ما تزال طبقات الأرض تُخفي قصصًا لم تُروَ بعد: مقابر، ومدن مطمورة، ونقوش، وطرقات قديمة.
وفي عام 2025 تحديدًا، أعادت سلسلة من الاكتشافات الأثرية فتح نوافذ جديدة على حياة مجتمعات سكنت هذه الجغرافيا قبل آلاف السنين، كاشفةً تفاصيل عن العمران والاقتصاد وطقوس الدفن وأنماط العيش اليومية.
من مقابر ملكية ومدن مطمورة إلى طرقٍ رومانية ومنشآت مائية قديمة، كشفت أعمال التنقيب خلال العام 2025 عن طبقات جديدة من تاريخ المنطقة.
وعلى مدى آلاف السنين، كانت المنطقة العربية موطنًا لعشرات الحضارات التي تركت وراءها طبقاتٍ من الشواهد والرموز والآثار، وما زالت تفاصيل كثيرة من حياتها اليومية وعمرانها واقتصادها حبيسة الرمال والمياه والصخور.
وفي السنوات الأخيرة، تحوّلت أعمال التنقيب إلى وسيلة لإعادة قراءة التاريخ المحلي وربط الحاضر بسلاسل طويلة من التحوّلات البشرية التي شهدتها هذه الجغرافيا.
أبرز الاكتشافات الأثرية في العالم العربي خلال 2025
خلال عام 2025، برزت سلسلة من الاكتشافات الأثرية في عدد من الدول العربية، تفاوتت بين مقابر ومدنٍ مطمورة وتماثيل ومنشآت مائية وطرق قديمة، لكنها اشتركت في كونها تقدّم دلائل جديدة على أنماط الاستقرار والطقوس الدينية وشبكات التجارة.
ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على ندرتها أو قيمتها الفنية، بل تمتد إلى ما تمنحه من “قرائن” تساعد الباحثين على فهم كيف بُنيت التجمعات السكانية، وكيف تكيف الإنسان مع بيئته، وكيف تغيّرت أنماط العيش والإنتاج عبر القرون.
في ما يلي، نستعرض أبرز الاكتشافات الأثرية التي أُعلن عنها خلال عام 2025 في العالم العربي، من مصر التي لا تتوقف مفاجآتها، إلى سوريا والعراق وليبيا والمغرب وتونس واليمن والسعودية، في مشهدٍ يبيّن كيف يمكن لقطعة حجر، أو نقشٍ صغير، أو بقايا طريق مطمور، أن تُبدّل فهمنا لحقبةٍ كاملة، وتمنحنا مفاتيح جديدة لقراءة التاريخ خارج الروايات التقليدية.
1- مصر.. مقابر ومدن ومعابد وقارب
من بين هذه المحطات، تتقدّم مصر المشهد كعادتها، إذ لا تكاد بعثة تنهي موسمًا حتى تكشف طبقة جديدة من الحكاية الممتدة على ضفاف النيل.
فقد مثّل عام 2025 محطة مهمّة في مسيرة الاكتشافات الأثرية المصرية، بما يؤكد عمق الحضارة المصرية القديمة وتنوّعها، ويعيد التذكير بأن أرض مصر لا تزال تُخبّئ الكثير من الأسرار التي تنتظر الكشف.
وخلال النصف الأول من عام 2025، سجّلت مصر 16 كشفًا أثريًا تعود إلى عصور مختلفة عبر التاريخ في 9 محافظات.
ففي يناير/ كانون الثاني، عُثر على مصطبة طبيب ملكي من عصر الدولة القديمة في سقارة بمحافظة الجيزة. وتُعدّ المصطبة المصنوعة من الطوب اللَّبن نموذجًا من نماذج المقابر في مصر القديمة؛ وهي بناءٌ مسطّح غالبًا ما يأتي بشكل مستطيل، ويُشيَّد من الطوب اللَّبن أو الحجر، وينتشر على نحوٍ أوسع في منطقتَي أبيدوس وسقارة.
وفي مارس/ آذار، عُثر على مقبرة ملكية من عصر الانتقال الثاني في جبانة جبل أنوبيس بمنطقة أبيدوس في محافظة سوهاج، فيما اكتشفت بعثة مصرية أخرى ورشةً لصناعة الفخار من العصر الروماني في قرية بناويط.
وفي يونيو/ حزيران، كُشف في تلّ الفرعون بمحافظة الشرقية، في دلتا النيل، عن أطلال مدينة “إيمت” التاريخية وبقايا مبانٍ سكنية لبيوتٍ برجية، ومبانٍ لتخزين الحبوب وإيواء الحيوانات، تعود إلى أوائل أو منتصف القرن الرابع قبل الميلاد. وتشمل المدينة المكتشفة مبانيَ ومعابدَ وصهاريجَ مياه يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام.
تنوّعت اكتشافات العام بين حقبٍ زمنية بعيدة، لكنها التقت عند سؤالٍ واحد: كيف عاش الإنسان هنا، وكيف شكّل المكان وشكّله عبر العصور؟
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، عثرت بعثة أثرية بحرية قبالة ساحل الإسكندرية على قارب خشبي قديم يعود إلى نحو 2000 عام، وهو ما يُعرف بـ”قارب المتعة” المذكور في كتابات المؤرخ الإغريقي سترابو، ويُعدّ الأول من نوعه الذي يُعثر عليه بحالة جيدة، وفقًا لصحيفة “الغارديان” البريطانية.
وفي الشهر ذاته، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية اكتشاف بقايا معبد الوادي للمجموعة الشمسية للملك “ني أوسر رع” في منطقة أبوصير الأثرية بالجيزة غرب القاهرة، وفقًا لموقع “القاهرة الإخبارية”.
2- سوريا.. مقبرة بيزنطية يعود تاريخها لأكثر من 1500 عام
شهدت سوريا خلال عام 2025 اكتشافين أثريين مهمّين يعود تاريخهما إلى قرونٍ بعيدة.
ففي مايو/ أيار، جرى اكتشاف مقبرة بيزنطية في مدينة معرّة النعمان في ريف إدلب، يعود تاريخها إلى أكثر من 1500 عام. وتضم المقبرة مدفنين يحتوي كلٌّ منهما على ستة قبور، مع شواهد أثرية تتضمن رموزًا تاريخية مثل الصليب، وفقًا لموقع “تلفزيون سوريا”.
واعتُبرت هذه المقبرة واحدة من الشواهد النادرة المتبقية التي توثّق مرحلة مهمة من تاريخ سوريا، ولا سيما بما تحمله من زخارف حجرية ومعمارٍ جنائزي فريد يعكس ملامح الحقبة البيزنطية.
وفي أغسطس/ آب، عُثر في المدينة الأثرية بمنبج على لوح روماني عمره 2000 عام، حُفر عليه نسر يحمل “إكليل غار”، وفقًا لـ”تلفزيون سوريا”. واللوح مصنوع من حجر البازلت الأسود ومزيّن بنقوش إغريقية.
مقبرة بيزنطية في مدينة معرّة النعمان في ريف إدلب – سانا
3- ليبيا.. طريق روماني ودهاليز تحت الأرض في شحات
في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنت ليبيا اكتشاف الطريق الروماني القديم الذي كان يربط بين مدينتَي برقة (المرج) وبتوليمايس (طلميثة)، مرورًا بالجهة الجنوبية لطلميثة، وعبر عددٍ من الأودية.
ويأتي هذا الاكتشاف ضمن سلسلة من الاكتشافات الأثرية الحديثة في ليبيا، من بينها الكشف عن مجموعة مدافن وصهاريج مياه رومانية في عدد من المناطق الساحلية.
وفي الشهر ذاته، اكتشف علماء وباحثون موقعًا أثريًا جديدًا تحت الأرض داخل منطقة شحات الأثرية، المعروفة أيضًا باسم قورينا أو سيريني. وتبلغ مساحة الموقع نحو عشرة أمتار مربعة، وهو عبارة عن مساحة دائرية تضم دهاليز شبه دائرية تؤدي إلى الداخل ثم تعود إلى المساحة نفسها.
ومن المرجّح أن يعود هذا الموقع إلى الفترة الهلنستية أو الرومانية المبكرة، بالنظر إلى موقعه وطبيعة الآثار المكتشفة.
4- العراق.. “أكبر ثور مُجنّح” وتوابيت فخارية
في العراق، أُعلن في سبتمبر/ أيلول عن الكشف داخل القاعة الملكية في قصر الملك آسرحدون بالموصل عن تمثال ضخم لـ“أكبر ثور مجنح” في تاريخ الدولة الآشورية، بارتفاع يقارب 6 أمتار.
كما عُثر على نسخ أصغر حجمًا من “الثور المجنّح”، أحد أبرز الرموز في حضارات بلاد الرافدين، إذ يجمع في هيئته بين رأس إنسان وجسد ثور أو أسد وأجنحة نسر، وكان يُنظر إليه بوصفه “إلهًا حاميًا يرمز إلى القوة والحكمة”.
يُعدّ “الثور المُجنّح” واحدًا من أبرز الرموز في حضارات بلاد الرافدين – swissinfo
وفي أغسطس/ آب، ساعد انخفاض منسوب المياه المرتبط بالجفاف في سد الموصل على الكشف عن 40 تابوتًا فخاريًا في محافظة دهوك شمال العراق. ويُرجَّح أن هذه التوابيت تعود إلى “العصر الهلنستي السلوقي” قبل نحو 2300 عام.
5- السعودية.. أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية
في سبتمبر/ أيلول الماضي، سجّلت السعودية اكتشاف أقدم مستوطنة بشرية معمارية في الجزيرة العربية يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، وتحديدًا إلى الفترة بين 11000 و10300 سنة.
ووفقًا لوكالة الأنباء السعودية “واس”، تقع المستوطنة في “مصيون” شمال غرب تبوك شمال المملكة، وتضم وحدات معمارية شبه دائرية شُيّدت بأحجار غرانيتية محلية، وتشمل مباني سكنية ومخازن وممرات ومواقد نار.
في السعودية، تمّ اكتشاف أقدم مستوطنة بشرية معمارية في الجزيرة العربية – واس
كما عُثر على مجموعة كبيرة من الأدوات الحجرية تشمل رؤوس سهام وسكاكين ومطاحن، وأدوات زينة مصنوعة من أحجار الأمازونيت والكوارتز والأصداف، ومواد خام تدل على نشاط إنتاجي داخل المستوطنة، إضافة إلى بقايا نادرة لهياكل بشرية وحيوانية، وقطع حجرية مزخرفة بخطوط هندسية، ما يشير إلى دلالات رمزية.
وحينها، اعتبرت هيئة التراث السعودية أن هذا الاكتشاف يعزّز فرضية أن المملكة شكّلت امتدادًا طبيعيًا لـ“الهلال الخصيب” (بلاد الرافدين وبلاد الشام وجنوب الأناضول)، وموطنًا مبكرًا لتحوّلات الإنسان من الترحال إلى الاستقرار.
6- المغرب.. مستوطنة عمرها 4200 عام
في مارس/ آذار، اكتشف علماء آثار بقايا مستوطنة عمرها 4200 عام في موقع “كاش كوش” بالقرب من وادي لاو شمال غرب المغرب، وفقًا لموقع “لايف ساينس”.
وكشفت الحفريات عن مبانٍ من الطوب والخشب ومرافق زراعية وحجرية، وثلاث شظايا فخارية، وعظمة بقرة، وحجر مكسور يُحتمل أن يكون جزءًا من أداة حجرية.
ثلاث مقابر قديمة في المغرب- livescience
وبعد شهرين، اكتشف علماء الآثار في طنجة ثلاث مقابر قديمة، بما في ذلك دفن حجري يعود تاريخه إلى نحو 4000 عام، إلى جانب عدد من الملاجئ الصخرية المزخرفة بالفن الصخري والأحجار القائمة، وفقًا لما نشره موقع “livescience”.
7- تونس.. قبور جرار للأطفال ودفنات حجرية
أثناء أعمال بناء مستشفى في منطقة سبيبة التابعة لولاية القصرين وسط غرب تونس في مايو/ أيار الماضي، اكتُشفت مجموعتان من القبور الأثرية. تضم الأولى مجموعة جرار استُخدمت قديمًا لدفن الأطفال داخلها، وهي طريقة دفن معروفة في عدد من الحضارات القديمة.
أما المجموعة الثانية، فضمت حفرًا طولية دُفنت فيها هياكل عظمية غُطّيت بمربعات فخارية منحنية.
8- اليمن.. نظام ريّ تحت الأرض في ذمار
أعلنت الهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية في محافظة ذمار عن اكتشاف نظام مائي أثري متقدّم في وادي حجرة منشدة شمال مدينة ذمار، وفقًا لوكالة الصحافة اليمنية.
ويتكوّن الاكتشاف من قناة مائية متطورة تحت الأرض، مبنية بحرفية عالية، كانت تُستخدم في جمع وتخزين وتوزيع المياه لري الأراضي الزراعية في فترات الجفاف.
ويؤشر ذلك إلى براعة المهندسين والمزارعين اليمنيين القدماء في استثمار مياه الأمطار وتوزيعها على مدار العام لأغراض الري والزراعة.
لا تكشف هذه الاكتشافات عن “أشياء” من الماضي فحسب، بل عن قصص بشرٍ عاشوا هنا: كيف بنوا، وكيف عبدوا، وكيف دفنوا موتاهم، وكيف نظّموا الماء والغذاء والتجارة. ومع كل موسم تنقيب، تتّسع خريطة الأسئلة بقدر ما تتّسع خريطة الإجابات.
في عالم سريع الإيقاع، تذكّرنا الآثار بأنّ التاريخ نصّ يتجدّد باستمرار. وما أُعلن عنه خلال عام 2025 قد يكون مجرد بداية لسنوات قادمة تحمل مفاجآت أكبر تحت الرمال والبحر والصخر.


