أزمة السودان.. كيف تُقرأ المبادرة الحكومية الجديدة لإنهاء الحرب؟

على وقع اشتداد حدة المعارك في ولاية جنوب كردفان، ووسط جمود أفق الحل السياسي، طُرحت مبادرة جديدة لوقف الصراع في السودان، قدمها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في نيويورك، وتركز على وقف إطلاق النار بوصفه مدخلًا لمسار السلام.
وتتضمن المبادرة تصورًا لتفكيك قوات الدعم السريع عبر تجميع مقاتليها في معسكرات محددة ونزع سلاحها بمراقبة دولية متفق عليها، إضافة إلى تسهيل عودة النازحين واللاجئين. وقال إدريس إن المبادرة نابعة من الداخل السوداني وتهدف إلى تمكين الدولة من استعادة سلطتها.
وفيما لم يصدر رد مباشر من قوات الدعم السريع، اعتبر مستشارها الباشا طبيق في منشور على منصة إكس أن المبادرة إعادة تدوير لخطاب إقصائي لا يختلف عن خطاب رئيس المجلس الانتقالي عبد الفتاح البرهان، مضيفًا أن الحديث عن انسحاب قوات الدعم السريع من مناطق سيطرتها أقرب إلى الخيال منه إلى السياسة.
وبالتزامن مع هذا الحراك الدبلوماسي، تشهد الساحة السودانية تصعيدًا ميدانيًا متواصلًا، مع اتساع رقعة المواجهات وتفاقم الأوضاع الإنسانية، لا سيما في إقليم كردفان، حيث دخل التصعيد مرحلة جديدة مع انتقال العمليات إلى جنوب كردفان، بعد ضربات نفذها الجيش السوداني بالطيران المسيّر، مقابل إعلان الدعم السريع السيطرة على بلدات إضافية شمال كردفان.
وفي ظل هذا المشهد، تطرح المبادرة الحكومية الجديدة تساؤلات عن فرص إنهاء الحرب وتأثير التطورات الميدانية على المسار السياسي، في وقت يعجز فيه الطرفان عن الحسم العسكري.
إطار تفاوضي للحكومة
تعليقًا على التطورات، يعتبر محمد صلاح الدين، عضو هيئة “محامو الطوارئ في السودان”، أن المبادرة التي طرحها كامل إدريس يمكن أن تمثل سقفًا تفاوضيًا تقدمه الحكومة أمام مجلس الأمن.
وينوه صلاح الدين في حديثه إلى التفزيون العربي من القاهرة، بتطور مهم في خطاب الحكومة مقارنة بالمراحل السابقة، إذ اعترفت هذه المرة بوجود أزمة إنسانية كبيرة في السودان، وبأنها أزمة تتجاوز قدراتها، بعد أن كانت تنفي ذلك سابقًا، كما أبدت انفتاحًا على الحلول الدولية بعدما كانت ترفض تدويل الأزمة.
ويوضح أن الحكومة تطرح المبادرة باعتبارها إطارًا تفاوضيًا عامًا يهدف إلى تجاوز المبادرات المطروحة حاليًا، وعلى رأسها مبادرة الآلية الرباعية، معتبرًا أن هناك التفافًا على هذه المبادرة بعدد من الخطوات غير المقبولة للسلطة في بورتسودان.
كما يتوقف عند نقطة المساءلة، مشيرًا إلى أن حديث الحكومة عنها هو الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب، مع أنه يُفهم على أنه موجّه ضد طرف واحد هو قوات الدعم السريع.
ويشدد على أن “المساءلة ينبغي أن تشمل جميع الانتهاكات ومن كل الأطراف، بما فيها انتهاكات الجيش”.
ويخلص صلاح الدين إلى أن هذا التنازل المحسوب يمثل خطوة إيجابية لا ينبغي رفضها كليًا، بل دعمها والبناء عليها.
“مبادرة وُلدت ميتة”
في المقابل، يرفض حمّاد عبد الرحمن صالح، عضو تحالف تأسيس، المبادرة بشكل قاطع واصفًا إياها بأنها مبادرة “ولدت ميتة” ولا تساوي الحبر الذي كتبت به، والهدف منها هو خلط الأوراق.
ويقول في حديث إلى التلفزيون العربي من أوغندا، إن كامل إدريس استغل الفرصة لمخاطبة المجتمع الدولي بشأن معاناة السودانيين وطلب المساعدة، لكنه كان الأجدر به الموافقة على مبادرة الآلية الرباعية التي وصفها بالمتكاملة، وتحظى بإجماع دولي وإقليمي ودعم القوى الكبرى.
ويعتبر صالح أن المبادرة تمثل خطة استسلام تطالب قوات الدعم السريع بوقف النار ونزع السلاح وتجميع القوات في مناطق محددة قبل الدخول في مفاوضات، وهو ما يتناقض تمامًا مع مبادرة الرباعية ولا يعكس الواقع الميداني.
ويرى أن الدعم السريع في وضع أفضل ويسيطر على مساحات واسعة من البلاد، ولن يقبل بهذا الطرح. ويضيف أن المبادرة تحتوي على بعض النقاط لكنها غير عملية.
ضمانات أمنية وسياسية
من جهته يستبعد جوناثان أوفاي أنسا، رئيس تحرير مجلة أفريكا بريفينغ Africa Briefing، وجود سبب مقنع لقوات الدعم السريع للقبول بالانسحاب، معتبرًا أنه ليس خيارًا إستراتيجيًا في ظل سيطرة الدعم السريع على أجزاء من العاصمة ودارفور.
ويضيف في حديث إلى التلفزيون العربي من لندن، أن الموافقة على مثل هذه الاقتراحات تتطلب توفير ضمانات أمنية وسياسية راسخة، لأن نزع سلاح المليشيات في ظل نزاع ساخن يحتاج إلى ضمانات”، موضحًا أن “غياب هذه الأخيرة سيدفع الدعم السريع إلى تعزيز مواقعه الحالية بدلًا من الانسحاب”.
ويشير أوفاي أنسا إلى أن الملف السوداني لم يحظَ بالاهتمام الكافي من القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، منذ اندلاع الحرب عام 2023، رغم دور الرباعية في الوساطة لوقف إطلاق النار.
ويذكر بأن أروقة مجلس الأمن لم تشهد حتى الآن التوصل إلى حل سلمي، لكنه لم يستبعد أن تؤدي الأنباء الفظيعة عن الفاشر والانتهاكات الحاصلة هناك، إلى جانب وجود رئيس الوزراء الانتقالي في مجلس الأمن، إلى تحرك استباقي بحثًا عن حل للنزاع.


