أزمة صامتة في المدارس والجامعات.. ما الذي يفاقم التوتر الأكاديمي؟

يُعدّ التوتر الدراسي واحدًا من أكثر التحديات النفسية شيوعًا بين الطلاب في مختلف المراحل التعليمية. فهو حالة من الانشداد والخوف ترتبط عادة بالامتحانات، وضغوط الوظائف والواجبات، والتوقعات العالية من الذات أو من الأهل والمعلّمين.
ورغم أن قدرًا معيّنًا من التوتر يُعدّ طبيعيًا بل ومفيدًا أحيانًا، فإن تحوّله إلى قلق مفرط مزمن يمكن أن ينعكس سلبًا على التركيز، والتحصيل العلمي، والصورة الذاتية، والثقة بالقدرات الشخصية.
ومع تزايد المتطلبات الأكاديمية وتعقّد بيئات التعلّم، بات فهم التوتر الدراسي وأساليب التعامل معه ضرورة ملحّة لضمان بيئة تعليمية صحية تُساند عملية التعلّم بدل أن تتحوّل إلى عبء يعيقها.
ما هو التوتر الأكاديمي؟
تُعرّف الجمعية الأميركية لعلم النفس التوتر بأنه حالة من الاستجابة النفسية والجسدية تنشأ عندما يواجه الإنسان مطالب أو مواقف يشعر أنها تفوق قدرته على التكيّف معها، فيطرأ تغيّر على مختلف أجهزة الجسم، وينعكس ذلك على الأفكار والمشاعر والسلوك اليومي. وهو في الأصل ردّ فعل طبيعي تجاه ضغوط الحياة، لكنه يتحوّل إلى حالة غير صحية عندما يفقد الشخص القدرة على ضبطه، فيبدأ بالتأثير في توازنه وحياته اليومية.
يتحوّل التوتر الأكاديمي إلى عبء حقيقي عندما يشعر الطالب أن المتطلبات تتجاوز قدرته على التحمّل
في السياق الدراسي، يشير “التوتر الأكاديمي” إلى عملية نفسية تكيفية يعيشها الطلاب داخل بيئات التعلّم عندما يواجهون تحديات يرونها مرهِقة أو تفوق طاقتهم. وتتجسّد هذه العملية في استجابات جسدية وعقلية لمجموعة من الضغوط المرتبطة بالمسؤوليات الدراسية، مثل الامتحانات والاختبارات المتكرّرة، والوظائف والأبحاث، ومراكمة الدرجات، والمنافسة داخل الصف، والانتقال بين مراحل تعليمية مختلفة.
ويُواجه الطلاب، خلال مسيرتهم المدرسية والجامعية، محطات انتقال متعدّدة: الانتقال إلى صف جديد، أو إلى مدرسة أو مدينة أخرى، مغادرة المنزل للدراسة الجامعية، الاحتكاك بأشخاص من خلفيات اجتماعية وثقافية متنوّعة. بعضهم يتعامل مع هذه التحوّلات بإيجابية ويرى فيها فرصة للنموّ، فيما يشعر آخرون بالارتباك والانزعاج، فتتحوّل هذه التحوّلات إلى مصدر إضافي للضغط والتوتر.
من أين يأتي كل هذا الضغط الدراسي؟
تشير دراسة نُشرت في موقع “سينس ديركت” إلى أن التوتر الأكاديمي غالبًا ما ينتج عن مجموعة متداخلة من العوامل، تُعرف بمُسبّبات التوتر. ولا يقتصر الأمر على الامتحانات كما يُشاع عادة، بل يشمل تفاصيل الحياة الدراسية اليومية.
من بين أبرز هذه المسببات: الاستمرارية في الدراسة لساعات طويلة بلا فواصل راحة، التحضير المتواصل للامتحانات والاختبارات، ضغط كتابة الأبحاث والتقارير، التنافس على المراتب الأولى داخل الصف، التعامل مع أساتذة أو مرشدين ذوي أسلوب مُملّ أو قاسٍ أو غير متفهّم، ومحاولة اكتساب أكبر قدر من المعرفة في وقت قصير.
يتجلى التوتر الأكاديمي من خلال مجموعة واسعة من العلامات الجسدية- غيتي
يُعاني كل طالب من هذه الضغوط بطريقته الخاصة، بغضّ النظر عن عمره أو جنسه أو خلفيته أو مرحلته الدراسية. فالطالب الذي لا يُحسن إدارة وقته قد يجد صعوبة في تسليم واجباته في المواعيد المحدّدة، فيتراكم عليه العمل وتتزايد حدة القلق، بينما يشعر طالب آخر بالضغط لمجرّد اضطراره إلى الخروج من منطقة الراحة، أو السفر يوميًا لحضور المحاضرات، أو التأقلم مع نمط حياة جامعية جديد.
27% من الطلاب يجدون صعوبة في فهم المادة الدراسية… وهي النسبة الأعلى بين مسبّبات التوتر
وتشير دراسة أخرى منشورة على “سينس ديريكت”، إلى أن المصدر الأوّل للتوتر لدى الطلاب يرتبط بمحتوى المادّة الدراسية نفسها؛ إذ أفاد 27% من المشاركين بأنهم غالبًا ما يواجهون صعوبة في فهم المادّة المطروحة. وذكر 18% منهم أن شعورهم بحمل زائد من الواجبات والمهام هو السبب الثاني الأبرز للتوتر. وأشار نحو 17% إلى أن عناصر الاختبارات الصعبة، وطريقة تعامل بعض الأساتذة المملّين أو غير الصبورين أو الغاضبين، تشكّل لهم سببًا مباشرًا للشعور بالضغط. أمّا الواجبات المنزلية المتكرّرة، فاعتبرها 15% من الطلاب المصدر الرابع للتوتر.
📌 أبرز مصادر التوتر الأكاديمي لدى الطلاب
-
27% صعوبة فهم المادّة.
-
18% الإحساس بحمل زائد من الواجبات.
-
17% صعوبة الاختبارات وطريقة تعامل بعض الأساتذة.
-
15% كثرة الواجبات المنزلية.
أنواع التوتر لدى الطلاب: من لحظة الامتحان إلى الضغط المزمن
تتعامل الشخصيات المختلفة مع الضغوط بصورة متباينة؛ فلكل طالب عتبة تحمّل وقدرة خاصة على التعامل مع المواقف الصعبة.
وتُميّز الجمعية الأميركية لعلم النفس بين ثلاثة أنماط رئيسية للتوتر يمكن أن يعايشها الطلاب:
📌 أنواع التوتر وفق تصنيف APA
-
الإجهاد الحاد: استجابة قصيرة لضغط مفاجئ.
-
الإجهاد الحاد المتقطّع: نوبات متكرّرة لدى من يسعون للكمال.
-
الإجهاد المزمن: ضغط طويل الأمد يؤثر في الصحة النفسية والجسدية.
فماذا نعرف عن كل من هذه الأنواع الثلاثة؟
-
الإجهاد الحاد: هو أكثر أنواع التوتر شيوعًا، ويمتاز بقصر مدّته. يظهر عادة نتيجة ضغوط مفاجئة أو التفكير في حدث قريب، مثل الاستعداد لامتحان مهم أو تقديم عرض شفهي أمام الزملاء. في هذه الحالة، قد يشعر الطالب بتسارع ضربات القلب أو شدّ عضلي مؤقت، ثم يعود إلى طبيعته بعد انتهاء الحدث الضاغط.
-
الإجهاد الحاد المتقطّع: هو نمط متكرّر من الإجهاد الحاد، يعاني منه من يجد نفسه باستمرار في مواقف مرهِقة أو يضع لنفسه معايير عالية صعبة التحقيق. فالطالب الذي يسعى إلى الكمال في كل مهمة، ويُحمّل نفسه فوق طاقتها، قد يشعر بالتوتر مع كل هفوة أو تأخير بسيط، فيعيش سلسلة من النوبات القصيرة المتلاحقة.
-
الإجهاد المزمن: هو أخطر الأنواع، لأنه يتّخذ طابعًا طويل الأمد ومتواصلاً. ينشأ غالبًا عندما يعيش الطالب تحت ضغط ثابت لا يُتاح له الوقت أو الموارد للتخفّف منه؛ مثل ضغط دائم للتفوّق الأكاديمي، أو صعوبة توفير تكاليف الدراسة والكتب والمستلزمات، أو الجمع بين الدراسة والعمل. إذا استمرّ هذا النمط لفترات طويلة من دون تدخّل أو دعم، فقد يفتح الباب أمام مشكلات صحية ونفسية جدّية.
علامات التوتر الأكاديمي.. كيف يطلب الجسد والذهن النجدة؟
يأخذ التوتر أشكالًا متنوّعة، وقد لا يُصرّح الطالب بمعاناته بشكل مباشر، لكن جسده وسلوكه يبعثان إشارات كثيرة يمكن التقاطها.
من بين أبرز الأعراض العامة:
- الشعور بالخمول والإرهاق المستمر.
- ارتفاع ضغط الدم.
- نوبات الاكتئاب.
- ازدياد الشهية أو فقدانها بشكل ملحوظ.
- القلق.
- الأرق.
- صعوبة التركيز.
علامات جسدية تدلّ على التوتر الأكاديمي:
-
زيادة معدّل ضربات القلب.
-
ارتفاع ضغط الدم.
-
تسارع وتيرة التنفّس.
-
ارتفاع مستويات هرمون الأدرينالين.
-
الصداع النصفي أو المتكرر.
-
التعرّق المفرط.
-
الارتجاف اللاإرادي.
-
الآلام العضلية أو الجسدية.
-
تقلّبات الوزن.
-
اضطرابات النوم بين أرق مفرط ونوم غير منتظم.
كما يترك التوتر الأكاديمي أثرًا عميقًا في الوظائف الإدراكية والانفعالية، فيظهر في شكل أفكار سلبية هدّامة، وشعور عام بالتوتر، وإحساس باليأس أو الإحباط، ونوبات عصبية، وشعور مبالغ فيه بالذنب، وصعوبات مستمرة في النوم. وقد تقود هذه الحالة إلى سلوكيات مقلقة مثل البكاء المتكرّر من دون سبب واضح، أو إيذاء الذات، أو اللجوء إلى المخدرات والكحول للهروب من الضغط، أو التحوّل إلى سلوك عدواني تجاه الذات أو الآخرين.
كيف يُشخَّص التوتر الأكاديمي؟
يلجأ الأطباء والاختصاصيون في الصحة النفسية إلى مجموعة من الأساليب لتقييم مستوى التوتر لدى الطلاب. من بين هذه الأساليب، أدوات القياس النفسية التي تعتمد على استبيانات وتقارير ذاتية، تُستخدم على نطاق واسع لرصد مستويات التوتر والقلق، من خلال أسئلة تستكشف الجوانب النفسية والاجتماعية والعاطفية في شخصية الطالب وطريقة تعاطيه مع الضغوط.
كما يمكن ملاحظة التوتر من خلال ردود الفعل السلوكية والجسدية التي يُظهرها الطالب في مواجهة الأحداث المُرهِقة؛ مثل نوبات الخوف المفاجئة، أو الانفعال الزائد، أو الانطواء، أو الشعور الدائم بالعصبية والانزعاج والنفور من الأنشطة التي كان يستمتع بها سابقًا.
في السنوات الأخيرة، زاد الاعتماد على أجهزة وأساليب إلكترونية لقياس مؤشرات التوتر في البيئات التعليمية والبحثية. من هذه الأدوات مقياس الإجهاد المتصوَّر (PSS)، وتقنيات تخطيط كهربية العضل (EMG)، وتخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وتخطيط كهربية القلب (ECG)، إضافة إلى قياس بعض العلامات الفسيولوجية مثل التعرّق، ومستويات هرمون الكورتيزول في اللعاب، وضغط الدم، ومعدّل التنفّس، وتقلب ضربات القلب وغيرها.
📌متى يصبح التوتر خطرًا؟
-
أرق مستمر لأسابيع.
-
أفكار سلبية متكررة وشعور دائم باليأس.
-
عزلة اجتماعية مفاجئة وتراجع حاد في الأداء.
-
نوبات بكاء أو إيذاء النفس أو اللجوء للمخدرات.
الآثار النفسية والأكاديمية للتوتر.. متى يتحوّل من دافع إلى عائق؟
في الأصل، يهدف النظام التعليمي إلى إعداد الطلاب جسديًا ونفسيًا ومهنيًا لمواجهة تحديات الحياة. غير أن الضغوط النفسية الأكاديمية قد تؤدي إلى نتائج متباينة، بعضها إيجابي والآخر سلبي.
فحين يكون الضغط في حدود معيّنة، يمكن أن يتحوّل إلى دافع إيجابي، يُبقِي الطالب في حالة يقظة، ويحفّزه على الإنجاز، ويحسّن تركيزه ويُسهم في الحصول على نتائج جيدة. هذا ما يُعرف أحيانًا بـ”الضغط النفسي الإيجابي”، وهو ضغط قصير الأمد يساعد على رفع الأداء بشرط ألّا يتجاوَز قدرة الطالب على الاحتمال.
وقد يكون هذا النمط من الضغط القصير مفيدًا خصوصًا في سياق الامتحانات، إذ يُنشّط الذاكرة ويزيد من القدرة على استرجاع المعلومات عند الحاجة. كما تشير بعض الدراسات إلى أن مستويات خفيفة من الضغط قد تُسهم في تنشيط جهاز المناعة، وتعزيز قدرة الجسم على التعامل مع إصابات أو عدوى أو جروح بسيطة.
القلق الأكاديمي ليس قدَرًا، بل حالة يمكن إدارتها حين تتوفر بيئة داعمة واستراتيجيات صحيحة
لكن عندما ترتفع مستويات التوتر وتستمر لفترات طويلة، يتحوّل الضغط إلى عبء يفوق القدرة على التكيّف. وعندها يبدأ القلق في التسلّل إلى يوميات الطالب، فتزداد المتطلبات الأكاديمية من جهة، فيما يشعر هو من جهة أخرى بأن الموارد والقدرات المتاحة له غير كافية لمواجهتها. هذا التفاوت بين المطلوب والمتاح هو ما يغذّي التوتر الأكاديمي الشديد، الذي يرتبط بوضوح بضعف الصحة النفسية، بغضّ النظر عن الجنس أو الخلفية أو المرحلة الدراسية.
ويُظهر عدد من الأبحاث أن التوتر الأكاديمي المرتفع يفاقم أعراض الاكتئاب والقلق، ويُضعف الدافعية، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تراجع الملفات الدراسية والنتائج الامتحانية. ففي دراسة أُجريت في جامعتي سرجودها وبيشاور وشملت 400 طالب من كل جامعة، تبيّن أن الضغط النفسي الأكاديمي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في الصحة النفسية للطلاب وفي أدائهم الأكاديمي معًا. كما أظهرت الدراسة أن مستوى الضغط كان متقاربًا بين طلاب الجامعتين، وأن الطالبات كنّ أكثر عرضة للضغط الأكاديمي من زملائهن الذكور.
نصائح مفيدة لتدريب الأبناء على مواجهة الضغط النفسي خلال فترة الامتحانات – من أرشيف “العربي 2”
استراتيجيات لتخفيف الضغط الدراسي.. ما الذي يمكن للطالب فعله اليوم؟
على الرغم من كل ما سبق، لا يُعدّ الضغط الدراسي قدرًا محتومًا ولا حالة مستعصية لا يمكن التعامل معها. فكل طالب، بحكم التجربة، يطوّر آليات خاصة للتكيّف مع الضغوط. بعضهم يميل إلى المواجهة والبحث عن حلول عملية، وبعضهم الآخر ينجرف نحو التجنّب والانسحاب. وبين هذين الحدّين، توجد مساحة واسعة يمكن أن تستثمر فيها أساليب فسيولوجية وسلوكية ونفسية ومعرفية لإدارة الضغط.
وتقدّم جامعة “نيو هامبشاير” مجموعة من الإرشادات التي يمكن أن تُعين الطلاب على مواجهة القلق الأكاديمي، من أبرزها:
-
ابقَ حاضرًا: الماضي انتهى، والمستقبل لم يحن بعد؛ اللحظة الوحيدة التي تملك التأثير فيها هي اللحظة الحاضرة. عندما تلاحظ أن تفكيرك انزلق نحو مواقف سابقة أو مخاوف مستقبلية، حاول بلطف أن تُعيد انتباهك إلى ما بين يديك الآن: صفحة تذاكرها، أو تمرين تحلّه، أو نفس عميق تستعيد من خلاله هدوءك,
-
تعلّم بالممارسة: نحن بشر، والخطأ جزء من عملية التعلّم. كل تعثّر أو نتيجة غير متوقّعة يمكن أن تتحوّل إلى فرصة لمعرفة نقاط القوة والضعف. والممارسة المنتظمة هي الطريق الأضمن لاكتساب أي مهارة جديدة؛ فكلما كرّرت أنماط تفكير صحية، واتخذت خيارات سلوكية أفضل، تحسّن شعورك بذاتك. وكلما التزم بعادات دراسة جيّدة، ونظّمت وقتك، كنت أكثر استعدادًا للامتحان أو لكتابة بحثٍ مطمئن.
-
استخدم حديثًا إيجابيًا مع نفسك: الطريقة التي نخاطب بها أنفسنا تصنع فرقًا كبيرًا في شعورنا. فالإفراط في عتاب الذات، وترديد عبارات من نوع “أنا فاشل” أو “لن أنجح”، يرسّخ صورة سلبية يصعب التخلص منها مع الوقت. في المقابل، تبنّي لهجة ألطف وأكثر تفهّمًا مع النفس، والتعامل مع الأخطاء باعتبارها جزءًا طبيعيًا من التجربة، يساعد على الشعور بالأمل ويزيد القدرة على المحاولة من جديد. يمكن تدريب النفس على رصد الأفكار السلبية خلال اليوم، واستبدالها تدريجيًا بأفكار أكثر توازنًا وواقعية وتحفيزًا.
-
تحمّل مسؤولية الأخطاء: الاعتراف بالخطأ خطوة أساسية في تجاوزه. إن تأخّرت في تسليم بحثك أو في حضور محاضرة، اعترف بما حصل وخُذ مبادرة للتصحيح؛ اعتذر لأستاذك أو لزميلك في المختبر، ثم ضَع خطة تجعل تكرار الخطأ أقل احتمالًا في المرّة المقبلة. تحمّل المسؤولية لا يعني جلد الذات، بل يعني امتلاك زمام التغيير.
-
سامح نفسك: نحن نعتذر للآخرين عندما نخطئ بحقهم، لكننا كثيرًا ما نغفل عن منح أنفسنا الرحمة ذاتها. التوقّف عند كل هفوة، وتحويل كل نتيجة غير مرضية إلى إدانة شاملة للذات، يراكم أعباء نفسية لا حاجة لها. إذا لم يكن أداؤك في امتحان معيّن كما تمنّيت، أو اتخذت قرارًا دراسيًا غير موفّق، فالتسامح مع الذات جزء من القدرة على النهوض مجددًا. التعاطف لا يُمنح للآخرين فقط، بل يمكن أن يكون هدية نمنحها لأنفسنا أولًا.
-
ركّز على ما يمكنك التحكّم به: ينشأ لدى بعضنا اعتقاد بأننا مسؤولون عن سعادة كل من حولنا، وأن الاهتمام باحتياجاتنا نوع من الأنانية. لكن الحقيقة أن إهمال الذات لفترة طويلة يُضعف القدرة على مساعدة الآخرين على المدى البعيد. من المهم أن يدرك الطالب أن مجال التحكّم الحقيقي يبدأ من داخله: تنظيم وقته، سلوكه، استجاباته، حدود طاقته. لا يمكننا التحكّم في تصرّفات الآخرين أو مزاجهم أو قراراتهم، لكن يمكننا اختيار الطريقة التي نتعامل بها مع ذلك.
-
العناية الذاتية ليست رفاهية: الغذاء غير المنتظم أو غير المتوازن يستنزف الطاقة الجسدية والنفسية. الاعتماد اليومي على الوجبات السريعة، أو نسيان تناول الطعام في أوقات الضغط الدراسي، أو السهر ليلًا بشكل متكرر، كلها عوامل تُضعف القدرة على التركيز. في المقابل، الحصول على نحو سبع ساعات من النوم الليلي، وتناول ثلاث وجبات متوازنة، وإدخال قدر من الحركة اليومية – كالمشي أو ممارسة رياضة بسيطة – يساعد في استعادة التوازن ويحسّن القدرة على التعلّم والتذكّر.
يظلّ القلق الأكاديمي ظاهرة واسعة الانتشار بين الطلاب في مختلف المراحل، لكنه ليس قدرًا ثابتًا ولا عائقًا لا يمكن تجاوزه. فرغم تأثيره الواضح في التركيز والتحصيل والثقة بالنفس، يمكن التعامل معه بفاعلية حين يُفهَم جيدًا، وتُعتمد استراتيجيات واضحة لإدارته، ويُتاح للطلاب فضاء تعليمي أكثر دعمًا وتفهّمًا.
إن إدراك الطالب لقدراته وحدوده، وطلبه المساندة عند الحاجة، واعتياده على عادات دراسة صحيّة، خطوات أساسية لتحويل القلق من عبء خانق إلى دافع منظّم للإنجاز. ويبقى على مؤسسات التعليم والأهل أن يساهموا في ترسيخ مناخ تربوي ونفسي يراعي هذه الجوانب، ويُسهم في بناء طلاب متوازنين، واثقين بأنفسهم، قادرين على مواجهة تحديات الدراسة والحياة بثبات ومرونة.


