أبعاد

بين “حجر رشيد” و”أنتيكيثيرا”.. اكتشافات غيّرت فهمنا للتاريخ

في أحيان كثيرة يكفي اكتشاف واحد – حجر، أو مدينة مطمورة، أو آلة معطوبة في قاع البحر – ليهزّ سردية تاريخية ظلت مستقرة لعقود، بل لقرون. فحجر واحد قد يفتح باب لغة كاملة، وموقع أثري صغير يمكن أن يعيد كتابة قصة “من وصل أولًا”، وآثار أقدام مطبوعة في الرمل المتحجّر قد تدفع العلماء إلى إعادة التفكير في زمن ظهور الإنسان في قارة بأكملها.

من “حجر رشيد”، إلى “لانس أو ميدوز”، و”منتزه وايت ساندز”، ومدينة “طروادة”، و”آلية أنتيكيثيرا”، أسهمت هذه الاكتشافات في قلب مسلّمات راسخة، وأجبرت المؤرخين وعلماء الآثار على إعادة النظر في الخط الزمني للحضارات، وفي قدرات الإنسان القديم التقنية والمعرفية، حسب موقع “أطلس العالم”.

 من طروادة إلى أنتيكيثيرا.. كل اكتشاف جديد يضيف طبقة أخرى من الشك إلى ما كنا نعتبره حقائق نهائية. فالتاريخ ليس خطًا مستقيمًا محفوظًا في الكتب، بل فسيفساء تعيد الاكتشافات الأثرية ترتيب قطعها باستمرار

وما زال كل واحد من هذه الاكتشافات يزيح طبقة جديدة من الغموض، ويعيد تشكيل تصوّراتنا عن الماضي وتأثيراته الممتدة في عالمنا الحديث.

حجر رشيد.. مفتاح الهيروغليفية وبوابة الحضارة المصرية 

شكّل اكتشاف حجر رشيد نقطة تحوّل حاسمة في دراسة اللغات والكتابات القديمة، حتى إن كثيرين يرون أنه لولا هذا الحجر لتعثر فهم الحضارة المصرية القديمة لعقود طويلة.

عُثر على الحجر بالصدفة عام 1799، حين كان جنود الحملة الفرنسية مع نابليون يعززون دفاعات أحد الحصون في مصر.

وتحمل اللوحة الصخرية المصنوعة من الجرانوديوريت الأبعاد التقريبية الآتية:

  • ارتفاع: حوالي 112 سم.
  • عرض: حوالي 76 سم  
  • سمك: حوالي 28 سم.

ويحمل حجر رشيد نصّ مرسوم ملكي مكتوبًا بثلاث لغات:

  • اليونانية القديمة

  • الخط الديموطيقي المصري (المستخدم في الحياة اليومية عام 196 قبل الميلاد)

  • الهيروغليفية المصرية

ساهم اكتشاف حجر رشيد بشكل كبير في تطوير فهمنا للغات القديمة – غيتي

في ذلك الوقت كان العلماء ما يزالون قادرين على قراءة اليونانية والديموطيقية، وهو ما أتاح لهم التدرّج في “فك رموز الهيروغليفية” تدريجيًا، وفتح الباب أمام قراءة النقوش الغامضة على المعابد والتماثيل والجدران في مصر القديمة.

ومن دون هذه القدرة على فك شيفرة الهيروغليفية، لربما اندثر هذا النظام الكتابي تمامًا، كما حدث مع لغات منقرضة أخرى مثل اللاتينية الكلاسيكية في الاستخدام اليومي، والإترورية، والسومرية، إحدى أقدم لغات العالم المدوّنة.

اليوم يُعد حجر رشيد من أهم القطع الأثرية في دراسة اللغات والثقافات القديمة. ومنذ عام 1802، يُحفَظ في المتحف البريطاني في لندن، مع استثناء لافت: ففي عام 1917، خلال الحرب العالمية الأولى، نُقل إلى نفق لسكك الحديد تحت الأرض خشية تعرّض العاصمة البريطانية لقصف مكثّف، بحسب موقع “.britishmuseum.org”.

  • حجر رشيد في سطور

  • – اكتُشف بالصدفة عام 1799 على يد جنود نابليون في مصر.

  • – كُتب بثلاث لغات: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية.

  • – كان المفتاح الحاسم لفك رموز لغة مصر القديمة.

موقع “لانس أو ميدوز”.. الفايكنغ يصلون إلى أميركا قبل كولومبوس

لسنوات طويلة، نُسب الفضل لكريستوفر كولومبوس بوصفه “أول أوروبي” يصل إلى الأميركتين، وتُمنَح في الولايات المتحدة عطلة في ثاني اثنين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول للاحتفال بيوم كولومبوس. إلا أن الأدلة الأثرية من موقع صغير في أقصى شمال كندا قالت شيئًا مختلفًا تمامًا.

تشير هذه الأدلة إلى أن المستكشف النورسي “ليف إريكسون” سبق كولومبوس بنحو 500 عام، وأنه وصل إلى أميركا الشمالية قرابة سنة 1000 ميلادية، وأسس مستوطنة تُعرف في المصادر القديمة باسم “فينلاند”.

عام 1960، توصّل فريق نرويجي مكوّن من الزوجين هيلغه إنغستاد (مستكشف) وآن ستينه إنغستاد (عالمة آثار) إلى موقع “لانس أو ميدوز” في أقصى شمال مقاطعة نيوفاوندلاند ولابرادور الكندية، وهناك عثروا على:

  • أسس ثمانية منازل

  • حُفر للطهي

  • ورشة حدادة

  • مسامير حديدية مصنوعة يدويًا

  • آثار أخرى تشير إلى وجود مستوطنة نوردية

تمثال في لانس أو ميدوز – موقع أطلس العالم

هذا الاكتشاف منح “الفايكنغ” موقعًا ثابتًا في تاريخ الأميركتين، وأثبت أن عبور المحيط الأطلسي تم فعليًا قبل رحلة كولومبوس الشهيرة بخمسة قرون تقريبًا.

اليوم، يُعد “لانس أو ميدوز” أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو، ويستقطب عشرات الآلاف من الزوار سنويًا.

وفي الولايات المتحدة، حظي ليف إريكسون باعتراف رسمي أيضًا، إذ يُحتفل بيوم خاص باسمه في 9 أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام.

لانس أو ميدوز”.. مستوطنة سبقت كولومبوس

– موقع في أقصى شمال نيوفاوندلاند الكندية.

– كشف عن وجود الفايكنغ في أميركا قبل كولومبوس بنحو 500 عام.

منتزه “وايت ساندز”.. آثار أقدام تعيد رسم خط الهجرة البشرية

في جنوب ولاية نيو مكسيكو الأميركية، يمتد “منتزه وايت ساندز الوطني” كأحد أكثر المشاهد الطبيعية فرادة في العالم.

فهناك، وعلى مساحة تقارب 275 ميلًا مربعًا، تنتشر كثبان بيضاء متموّجة من رمال الجبس في حوض تولاروزا، الذي يُعد “أكبر حقل كثبان جبسية في العالم”، فيبدُو المنظر كما لو أنّه بحر متجمّد من الضوء.

يجتذب المنتزه أكثر من نصف مليون زائر سنويًا، لا لمشاهدة الكثبان المذهلة فحسب، بل أيضًا لموقع استثنائي يحفظ “آثار أقدام متحجّرة” تركتها كائنات انقرضت منذ زمن بعيد، مثل الماموث، والكسلان العملاق، والذئاب، وكذلك البشر، في أرض كانت فيما مضى قاع بحيرة واسعة.

منتزه وايت ساندز الوطني في جنوب ولاية نيو مكسيكو – غيتي

طوال عقود، استند الاعتقاد السائد إلى أن البشر عاشوا في الأميركتين منذ نحو 14 ألف سنة، اعتمادًا على أدوات حجرية اكتُشفت في منطقة كلوفيس في نيو مكسيكو. لكن دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة “Science” قلبت هذا التصوّر رأسًا على عقب.

اعتمد الباحثون على تقنيات تأريخ حديثة لتحليل آثار أقدام بشرية متحجّرة في وايت ساندز، وأشارت النتائج إلى أن عمرها يتراوح بين 21 ألفًا و23 ألف سنة، بحسب “خدمة المتنزهات الوطنية”. وهذا يعني – إذا تأكدت النتائج بشكل نهائي – أن وجود الإنسان في الأميركتين بدأ قبل ما يقرب من 10 آلاف سنة مما كان يُعتقد سابقًا.

ورغم أن هذه الفرضية لا تزال محل نقاش علمي، فإن تحليل هذه الآثار يعزّز فكرة أن الهجرة البشرية إلى الأميركتين أقدم بكثير مما رسخ في الأبحاث التقليدية، وهو ما قد يدفع إلى إعادة رسم خرائط الهجرة وانتشار الإنسان العاقل عبر القارات.

  • وايت ساندز.. آثار أقدام أقدم من التاريخ المدرس

– كثبان جبسية بيضاء في نيو مكسيكو.

– آثار أقدام متحجّرة يرجَّح أنها تعود إلى أكثر من 20 ألف سنة.

  • وايت ساندز.. آثار أقدام أقدم من التاريخ المدرس

– كثبان جبسية بيضاء في نيو مكسيكو.

– آثار أقدام متحجّرة يرجَّح أنها تعود إلى أكثر من 20 ألف سنة.

طروادة.. أسطورة تخرج من الميثولوجيا إلى طبقات الأرض

لطالما احتلّت طروادة مكانة أسطورية في المخيال اليوناني، خصوصًا عبر ملحمتي هوميروس “الإلياذة” و”الأوديسة”، حيث تدور القصص حول حصان خشبي عملاق وحصار طويل وحروب ملحمية. لسنوات طويلة ظلت المدينة في نظر كثيرين مجرّد حكاية شعرية، إلى أن جاء اكتشاف موقع “هيسارليك” في تركيا.

عام 1873، أعلن عالم الآثار الكاريزمي والمثير للجدل هاينريش شليمان أنه عثر على بقايا مدينة يعتقد أنها طروادة. شليمان، الذي كان رجل أعمال ألمانيًا ناجحًا قبل أن يتحوّل إلى الآثار في منتصف الثلاثينيات من عمره، كرّس ثروته ووقته للبحث عن هذه المدينة المفقودة، وسط اتهامات رافقته لاحقًا بأساليب حفر متهوّرة أحيانًا.

بدأت مدينة طروادة كجزء من الأساطير في الميثولوجيا اليونانية القديمة – غيتي

ورغم استمرار الجدل حول مدى تطابق طروادة المكتشفة مع طروادة الأسطورية كما وصفها هوميروس، فإن أعمال التنقيب في الموقع قدّمت للباحثين رؤى ثرية حول:

  • التخطيط العمراني للمدن القديمة

  • الممارسات اليومية والثقافية لسكانها

  • أساليب الحروب والتحصينات بين نحو 1700 و1250 قبل الميلاد

لم يثبت التنقيب وجود حصان خشبي بالمعنى الحرفي، ولا جمال نساء قادر على “إطلاق ألف سفينة”، لكن الأكيد أنّ طروادة أخرجت الأسطورة من الكتب إلى طبقات الأرض، وجعلت علم الآثار يتعامل مع الميثولوجيا كمصدر يمكن أن يخفي وراءه وقائع تاريخية، ودفعته لاستكشاف مزيد من المواقع التي كانت تُعدّ سابقًا “مجرد حكايات”، وفقًا لموقع “greekreporter”.

  • طروادة.. من أسطورة إلى موقع أثري

 اكتشاف هيسارليك في تركيا أعاد طرح سؤال: أين تنتهي الملحمة وأين يبدأ التاريخ؟

آلية أنتيكيثيرا.. “حاسوب” يوناني قبل ألفي عام

في مطلع القرن العشرين، لم يكن أحد يتوقّع أن حطام سفينة غارقة في البحر المتوسط قد يخفي بين خشبه المتآكل وبقاياه البرونزية ما يمكن اعتباره “أول حاسوب تناظري” معروف في التاريخ.

ففي عام 1901، اكتشف غواصو إسفنج قبالة جزيرة أنتيكيثيرا جهازًا برونزيًا غامضًا داخل حطام سفينة يعود تاريخ غرقها إلى الفترة بين 70 و60 قبل الميلاد.

أُطلق على هذا الجهاز اسم “آلية أنتيكيثيرا” نسبةً إلى موقع العثور عليه، بينما يرجّح العلماء أن يكون الجهاز نفسه أقدم من السفينة بنحو 140 سنة، ما يعني أنه صُنع في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد تقريبًا، بحسب موقع “scientificorigin”.

أُطلق عليه اسم “آلية أنتيكيثيرا” نسبةً إلى السفينة التي وُجد فيه – غيتي

لعدة عقود، بقيت وظيفة هذه القطع البرونزية المسطّحة، ذات التروس المتشابكة، لغزًا محيّرًا. لكن تقنيات التصوير بالأشعة السينية في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي كشفت شيئًا فشيئًا عن تصميم الآلية: نظام معقّد من التروس يُدار يدويًا، قادر على تتبّع حركة الكواكب، والتنبؤ بالمدار غير المنتظم للقمر، ورصد ظواهر فلكية مختلفة.

تكمن أهمية “آلية أنتيكيثيرا” في أنها تغيّر نظرتنا جذريًا إلى مستوى التطوّر التقني لدى الإغريق القدماء؛ فهي لا تكشف فقط براعتهم الميكانيكية، بل تبرهن أيضًا على أنهم كانوا ينظرون إلى الكون بوصفه منظومة محكومة بقوانين يمكن تمثيلها في آلة، وأن حركة الأجرام السماوية قابلة للحساب والتوقّع.

آلية أنتيكيثيرا.. “حاسوب” قبل ألفي عام

  • جهاز برونزي معقد لتتبّع حركة الكواكب والقمر. 

  • يثبت أن الإغريق رأوا الكون آلة تحكمها قوانين يمكن حسابها.

بهذا المعنى، لا تُعد الآلية مجرد قطعة أثرية فريدة، بل شاهدة على عقلية علمية سبقت عصر التكنولوجيا الحديثة بقرون طويلة، وجعلت كثيرين يعيدون تقييم الفاصل بين “العلم القديم” و”العلم الحديث”.

fdk “p[v vad]” ,”Hkjd;dedvh”>> h;jahthj ydRvj tilkh ggjhvdo

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم أعذني من شر نفسي ومن شر كل ذي شر