ليونيد بريجنيف والحرب الباردة.. ما سرّ علاقته مع العالم العربي؟

في ظلال الحرب الباردة التي سيطرت على العالم في القرن العشرين، حيث كانت الأيديولوجيات تتصارع والعالم يقف على شفا حرب نووية، برز رجل من شرق أوروبا ليصبح إحدى أكثر الشخصيات نفوذًا على الساحة الدولية.
إنه ليونيد بريجنيف، الزعيم الذي حكم الاتحاد السوفيتي قرابة عقدين من الزمن، ولعب دورًا مركزيًا في المعادلة السياسية للشرق الأوسط.
تحت قيادته، كان الاتحاد السوفيتي ينظر إلى العالم العربي على أنه ساحة للتنافس الاستراتيجي مع الغرب، وكان الصراع العربي الإسرائيلي تحديدًا إحدى أكثر ساحات الاشتباك سخونة بين القطبين. وكادت حربا يونيو/ حزيران 1967 وأكتوبر/ تشرين الأول 1973 أن تجرّا الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى مواجهة مباشرة كان العالم يخشاها.
وفي مذكراته التي حملت عنوان “الحياة من خلال صافرة المصنع“، يستعيد بريجنيف بداياته قائلًا:
“أتذكر دومًا مرشدي ورفاقي الأكبر الذين عملت معهم في مصنع دنيبروفسكي. لقد أعطوني المهنة الأولى، وعلّموني علم الحياة المعقّد، وأروني قوة الرجل الكادح العظيمة وجماله الروحي.. إن جامعات كهذه لا تُنسى”.
طفولة بريجنيف وتكوينه ومسيرته السياسية
ولد ليونيد إليش بريجنيف في 19 ديسمبر/ كانون الأول 1906 في أوكرانيا، وكان والده عاملًا في أحد معامل الصلب. درس الهندسة الفلاحية وأسهم في تأسيس تعاونيات زراعية، قبل أن يتخصّص في علم المعادن ويتخرّج عام 1935 مهندسًا معدنيًا في صناعة الصلب.
وفي سنواته الأولى غير السياسية، كان حلم بريجنيف أن يصبح ممثلًا؛ إذ كان يحب الوقوف على الكرسي ويستشهد بشاعره المفضل سيرغي يسينين. لكن، كغيره من الزعماء الذين غيّروا وجه التاريخ، توارى حلم التمثيل أمام طموح السياسة والقيادة.
وتقول لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية، إنّ بريجنيف لم يكن يتوقّع في مذكراته أن يصبح زعيمًا سوفيتيًا، ولا سيّما عندما بدأ صغيرًا في سوق العمل، مضيفة أنّ “الدور السياسي الذي اضطلع به داخل الحزب الشيوعي أهّله لذلك، ومهّد الطريق لقيادته”.
تولى ليونيد برجنيف زعامة الاتحاد السوفيتي بين عامي 1964 و1982 – غيتي
من جهته، يقول أندري يوريفيتش شادرين، أستاذ التاريخ في جامعة موسكو، إنّه لا ينبغي أن ننسى أنّ بريجنيف كان عضوًا ناشطًا في الكومسومول منذ أوائل العشرينيات من القرن الماضي، إذ كان له موقف سياسي وأخلاقي واضح.
ويرى شادرين أنّ هذه الظروف أدّت إلى أنه، بحلول منتصف الثلاثينيات، كان ليونيد إليتش قد احتلّ مكانًا بارزًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وحقّق بداية جيدة للغاية في مسيرته المهنية اللاحقة.
وانتهت رحلة صعود سريعة داخل أروقة الحزب الشيوعي ببريجنيف زعيمًا للاتحاد السوفيتي منذ عام 1964 وحتى وفاته عام 1982، وهي فترة القيادة الأطول بعد فترة جوزيف ستالين.
ورغم متاعب السياسة وصراعات الحكم، كان بريجنيف شخصًا محبًا للحياة، متابعًا للرياضة، ومهتمًا بالثقافة والفنون، واشتهر بقراءة المجلات الساخرة وولعه بسماع أحدث النكات المناهضة للسوفييت من حلاقه.
ويقول بريجنيف في مذكراته:
“الحس الوطني يبدأ عند كل واحد منا في ذكرى الطفولة، من بيته، من شارعه، من مدينته أو قريته. ومع ذلك ينبض فينا الإحساس بالوطن الكبير العظيم الذي يغدو فجأة كله، من طرف إلى طرف، في أيام الأخطار والمحن الشديدة، عزيزًا على النفس وغاليًا حتى الألم”.
وحكى بريجنيف تجربته السياسية والحزبية والعسكرية المبكرة في ثلاثة كتب صدرت باسمه عام 1978، تحت عناوين “الأرض الصغيرة” و“النهضة” و“الأراضي البكر”، وتبعها خمسة أجزاء أخرى، بعضها صدر بعد وفاته.
وتشير لانا بدفان إلى أنّ بريجنيف “كان يكتب دائمًا في مذكراته عن طموحه في تحرير الاقتصاد، وتحرير الشركات الروسية، وفي توسيع نفوذ الاتحاد السوفيتي، وفي تحرير الشعوب، حيث كان يمجّد الشيوعية بشكل كبير”.
وفي عام 1979 تُوّج بريجنيف بجائزة لينين في الأدب، وهو ما أثار الجدل؛ فكيف لرجل في خريف عمره وقد أنهكه المرض، ولم يُعرف في صحته بخطابة أو كتابة، أن يكتب هذه الثلاثية؟
تقول بدفان في حديثها إلى برنامج “مذكّرات” عبر التلفزيون العربي:
“حتى لو كان رئيسًا وزعيمًا، فإنّ بريجنيف لم يكن متمكنًا لغويًا ونحويًا، ولم تكن لديه قدرات إبداعية في الكتابة، إلا أنّه كتب بطريقة مبسّطة عن حياته كابن عائلة فقيرة تحوّل إلى رجل وزعيم اتحاد كامل”.
قد يكون بريجنيف بالفعل لم يكتب هذه المذكرات التي تنتهي أحداثها قبل عام 1964، ولكن الأكيد أنّه كتب فصلًا مهمًا في تاريخ بلاده والعالم، ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص.
بريجنيف والعلاقات السوفيتية مع العرب
ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في الاتحاد السوفييتي عام 1964 عقب الإطاحة بالرئيس نيكيتا خروتشوف، سعى بريجنيف لوضع بصمته على السياسة العالمية، حيث اتسمت سياسته بشكل خاص بتوسيع النفوذ السوفيتي عالميًا، عبر تقديم الدعم للحركات التحررية، ودعم الأحزاب الشيوعية بالدول الرأسمالية.
وتحت زعامة بريجنيف، انخرط الاتحاد السوفييتي في قضايا الصراع في العالم العربي، وسعى إلى تقليص النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، وعمل على إيجاد موطئ قدم راسخة سياسية وعسكرية في هذه المنطقة المؤثرة.
وعن تلك الفترة، توضّح لانا بدفان أنّ الحرب الباردة كان لها تأثير كبير على العلاقات السوفيتية العربية، لكنها ترى أن السوفييت “نجحوا، نوعًا ما، في تلك المرحلة في تقوية العلاقات مع الدول العربية، وأيضًا في تعزيز الأحزاب الشيوعية في الدول الرأسمالية، وقيادة الأحزاب التحررية، ولا سيّما في ما يتعلّق بالدول النامية وتشجيعها”.
وطوال عام 1966 وأوائل عام 1967، شجعت موسكو العرب على تشكيل جبهة موحدة ضد الإمبريالية.
وفي مذكراته يقول بريجنيف:
“إن التحالف مع حركة التحرر الوطني ومع المكافحين ضد الإمبريالية في العالم بأسره هو من المصادر الرئيسية لقوتنا على الصعيد الدولي.. وبمساعدة بعضنا البعض نستطيع بسهولة أكثر البحث عن حل لمسائل دولية عديدة وخاصة مسألة توطيد السلم”.
أزمة 1967.. أول اختبار لبريجنيف في الشرق الأوسط
اقترب شهر يونيو/ حزيران عام 1967، وبدت نذر حرب عربية- إسرائيلية تلوح في الأفق، حيث خرجت تصريحات الحكومة السوفييتية تطمئن الدول العربية وتعدها بالمساندة. وكان التساؤل: إلى أي مدى ستقف موسكو إلى جانب العرب؟
أعطت الحرب التي شنتها إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران جوابًا قاسيًا، حيث تلاشت الوعود والتطمينات السوفيتية عندما اندلعت الحرب فعليًا، ولم تقدم موسكو سوى الدعم اللفظي والسياسي.
وكانت هذه الحرب أول أزمة كبرى تواجه قيادة بريجنيف في الشرق الأوسط. وأوقعت الاتحاد السوفييتي بين نارين: دعم حلفائه في مصر وسوريا من ناحية، وتفادي الانجراف إلى صدام عالمي مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى. وأثبتت الأحداث أن السوفييت لم يكونوا مستعدين للمخاطرة بمواجهة مباشرة مع واشنطن.
وعن ذلك، يعتبر أستاذ التاريخ في جامعة موسكو، أندري يوريفيتش شادرين، في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن الاتحاد السوفيتي أنقذ مصر فعليًا في عام 1967، رغم أنّ جمال عبد الناصر والمصريين عمومًا لم يكونوا مؤيّدين لهذا التفسير لسلوك الاتحاد السوفيتي، في حين رأى كثيرون في مصر أنّ موقفه كان دعمًا غير كافٍ لها.
وما إن خفتت أصوات الحرب، قرر السوفييت استمرار مساعدتهم للدول العربية على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن دون المساس بـ”التعايش السلمي”. وتشير المراسلات الدبلوماسية السرية للسفير السوفيتي بالقاهرة آنذاك سيرغي فينوجرادوف إلى أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر كان “لحوحًا” للغاية في مسألة إمداده بالخبراء العسكريين السوفييت.
وأفضى عبد الناصر إلى فينوجرادوف بأن عبد الحكيم عامر كان يتهمه بتسليم الجيش للخبراء السوفييت وموافقته على نشر الأفكار الشيوعية مقابل إمداده بالأسلحة. لكن عبد الناصر بحسب السفير السوفيتي كان حريصًا أشد الحرص على تقوية العلاقات مع موسكو و”مشاطرة” القيادات السوفيتية مسؤولية كل ما قد يتخذه من قرارات.
في عهد بريجنيف ظهر الأسطول السوفييتي في البحر المتوسط، وحصل على قواعد وتسهيلات قدمتها سوريا في اللاذقية وطرطوس، ومصر في الإسكندرية
ولم يكن مستغربًا أن تبدي موسكو ارتياحها لاختفاء عبد الحكيم عامر من المشهد؛ واعتبر بريجنيف في لقائه مع علي صبري، نائب الرئيس المصري، في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، أنّ عبد الناصر كان يثق أكثر من اللازم في قيادات الجيش.
ومع بداية عام 1968، شرع الاتحاد السوفييتي في إرسال شحنات من الأسلحة والعتاد إلى مصر وسوريا، تضمنت أسلحة حديثة، بعضها لم يكن معروفًا حتى في فيتنام، وأوفدت موسكو العديد من المستشارين العسكريين إلى جانب المساعدات الاقتصادية المكثفة.
وكان الهدف الأهم لبريجنيف من هذه الخطوة هو الحصول للمرة الأولى على موقع غير مُنازَع في هذه المنطقة الحيوية، حيث ظهر الأسطول السوفييتي في البحر المتوسط، وحصل على قواعد في سوريا ومصر، وهو ما أدخل تعديلًا على الميزان الاستراتيجي وعزّز مكانة الاتحاد السوفييتي.
وبشأن ذلك، يلفت أندري يوريفيتش شادرين إلى أنّ “الشيء الوحيد الذي أصرّ عليه بريجنيف في مفاوضاته مع جميع قادة الدول العربية هو منح الفرصة لنشر القواعد البحرية في تلك الدول”.
استمر وجود الخبراء السوفييت في مصر حتى عام 1972، حين اتخذ السادات قرارًا بطردهم – غيتي
من حرب الاستنزاف إلى القطيعة المصرية-السوفيتية
وبحلول عام 1970، تصاعدت “حرب الاستنزاف” المصرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتطورت الهجمات الجوية الإسرائيلية داخل العمق المصري، وشملت قصف أهداف مدنية. وسافر عبد الناصر إلى موسكو في 22 يناير/ كانون الثاني 1970، وأجرى مباحثات سرية مع بريجنيف والقادة السوفييت، مطالبًا بأسلحة ومعدات دفاع جوي متطورة.
وبعد مباحثات مكثفة، أعلن بريجنيف الموافقة على إمداد مصر بوحدات دفاع جوي وأسلحة دفاعية وأسراب طيران، بينها طائرات هجومية متطورة، إلى جانب إرسال آلاف الضباط والجنود.
وفي مذكراته، يقول الفريق أول محمد فوزي، الذي رافق عبد الناصر في الزيارة، إنّ عبد الناصر كان منفعلًا في مفاوضاته مع السوفييت، وهدد بترك الحكم لزميل له يمكنه التفاهم مع الأميركيين.
وكان حذر بريجنيف من انزلاق بلاده إلى حرب مع واشنطن واضحًا، وطالب بإطلاق لقب “المستشارين” على العسكريين والخبراء السوفييت، وشدد على أنّ موسكو ستقدّم أسلحة حديثة لمصر، لكن جنودها لن يحاربوا ضد إسرائيل.
واستمر وجود الخبراء السوفييت في مصر حتى عام 1972، حين اتخذ الرئيس أنور السادات قرارًا بطردهم. وكان السادات يرى أنّ الكرملين يماطل في إمداده بالأسلحة التي يحتاج إليها، حتى يرى أيدي المصريين مكبّلة وغير قادرة على اتخاذ قرار.
فسّر البعض قرار السادات بأنه جزء من خطة الخداع لإيهام إسرائيل بأنّ مصر لن تحارب، بينما اعتبره قادة سوفييت “هدية بلا مقابل” من السادات للأميركيين، سعيًا للتقارب مع واشنطن. وأبدى بريجنيف استياءه من قرار السادات، وأرسل إليه رسالة غاضبة في 13 يوليو/ تموز 1972، قال فيها إنّ تواجد الخبراء السوفييت كان مؤقتًا وبطلب من القيادة المصرية.
ويقول بريجنيف في رسالته إلى السادات، بحسب مذكراته:
“إننا لن نكون صادقين مع أنفسنا لو تظاهرنا بأن شيئًا لم يحدث بحيث يؤثر على العلاقات بين بلدينا. إنّ الأسئلة التي أثارها قراركم ما تزال تنتظر الإجابة. إننا نعتقد أنّ ذلك يضعف صداقتنا ويضر بالعلاقات بيننا”.
ويقول أندري يوريفيتش شادرين، أستاذ التاريخ في جامعة موسكو، إنّه “في العام 1970، بعد وفاة عبد الناصر وتغيير القيادة في مصر وصعود أنور السادات إلى السلطة، والذي كانت لديه بالفعل تصوّرات مختلفة بشأن أولويات السياسة الخارجية، بدأت العلاقات بين البلدين في التدهور“.
ويضيف أنّ الاتحاد السوفيتي، في تلك المرحلة، لم يكن أمامه سوى خيار البحث عن نقاط دعم جديدة في المنطقة.
وفي رسالة بريجنيف إلى الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون، يقول:
“لقد وصل الوضع في الشرق الأوسط إلى نقطة خطيرة.. إسرائيل تتجاهل قرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وتواصل الاستيلاء على أراض جديدة. إنها تتحدى بوقاحة كلا من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ومن المستحيل السماح لهذا بالاستمرار.. علينا العمل معا لكبح جماحها، وإلا.. فإن موسكو ستعمل على ذلك منفردة”.
وكانت تلك الرسالة الغاضبة خطوة جريئة وغير معهودة في السلوك الحذر الذي اتّسمت به سياسة بريجنيف الخارجية.
كان بريجنيف حذر من انزلاق بلاده إلى حرب مع واشنطن – غيتي
رسالة بريجنيف التي أرعبت واشنطن
تكشف وثائق سرية نشرها مركز ويلسون الأميركي أنّ الزعيم السوفييتي كان يولي أهمية فائقة لهذا الملف، وطلب من المكتب السياسي دراسة تدابير إضافية، مثل إيقاف البحرية السوفييتية قبالة تل أبيب، أو السماح لمصر بشن هجوم في العمق داخل إسرائيل باستخدام صواريخ سوفييتية.
وأحدثت رسالة بريجنيف صدى مزعجًا في البيت الأبيض المنحاز بالكامل إلى جانب إسرائيل. ودون الرجوع إلى الرئيس نيكسون المريض والمشغول بفضيحة ووترغيت، عقد وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر ومستشار الأمن القومي ألكسندر هايغ اجتماعًا طارئًا لمناقشة تهديد بريجنيف.
وانتهى الاجتماع بإعلان رفع حالة التأهب والاستعداد في الجيش الأميركي، بما في ذلك القوات النووية، إلى ما يعرف بـ“ديفكون 3” أو “حالة الدفاع 3”. واحتبست أنفاس العالم، وبدا أنّ فتيل الحرب النووية بين القوتين العظميين قد تُشعله رسالة غاضبة تحمل توقيع ليونيد بريجنيف.
لكن رئيس المخابرات السوفييتية، يوري أندروبوف، تصدّى لإجراءات بريجنيف، وأرسل إليه خطابًا في 29 أكتوبر/ تشرين الأول تحدّث فيه عن مخاوف القادة السوفييت من توجهات السادات، وعن أنّ الاتحاد السوفيتي يواجه خطر الاستنزاف في الصراع العربي الإسرائيلي لصالح الولايات المتحدة.
السوفييت يبحثون عن شركاء جدد
بعد توقف الحرب، واجهت موسكو انتكاسة خطيرة في سياستها ونفوذها في الشرق الأوسط، حيث تدهورت العلاقات المصرية–السوفيتية بشكل أكبر. وكان السادات يرى أنّ الوجود السوفييتي لم يكن لتحقيق آمال الشعوب في التحرر، بل لمصارعة الوجود الأميركي.
ويشير شادرين إلى أنّه تم سحب نحو 20 ألف خبير عسكري، ثم بدأت العلاقات الاقتصادية في الانهيار، وانتهت في النهاية باتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، مما أدى بطبيعة الحال إلى تجميد العلاقات مع مصر.
ويُوضح أنّ كل ذلك أثّر بشكل كبير على توازن القوى في المنطقة، وكان على الاتحاد السوفيتي أن يبحث عن شركاء جدد لتعويض المواقع التي فقدها، لأنّ مصر كانت أهم دولة في المنطقة.
واستمر السوفييت عقب الحرب في إمداد العراق وسوريا بالأسلحة وأضافوا ليبيا كسوق رئيسية. وكان أحد التطورات الأكثر إثارة للاهتمام في السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط هو التقارب مع ليبيا بقيادة القذافي القومي المناهض للشيوعية.
ويرى شادرين أنّ استمرار تطور العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وتلك البلدان لم يعد قائمًا على الدوافع الأيديولوجية فقط، بل على المصالح الجيوسياسية والاعتبارات العملية.
ولذلك منذ عام 1973، واصل الاتحاد السوفييتي تطوير علاقاته مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (عدن)، بهدف الوصول إلى المرافق البحرية والجوية المهمة لاستعراض القوة العسكرية السوفيتية في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي.
بريجنيف والقضية الفلسطينية
في أواخر عام 1973، أشار بريجنيف لأول مرة إلى “الحقوق الوطنية” للفلسطينيين، وألقى بثقل الاتحاد السوفيتي ليكون لاعبًا رئيسيًا في القضية الفلسطينية باعتبارها حجر زاوية رئيسي في العلاقات الشائكة في المنطقة. واعترفت موسكو بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا عن الفلسطينيين، وفي أغسطس/ آب 1974 افتتحت المنظمة مكتبًا في موسكو.
وبشأن تلك العلاقة، يقول شادرين: إنّ “الاتحاد السوفييتي لم يكن ينوي القيام بذلك حتى اللحظة الأخيرة، فبعد اتفاقيات كامب ديفيد كان لا بد من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كحليف وشريك للاتحاد السوفييتي”.
وكان السوفييت يسعون عبر دعمهم للفلسطينيين إلى إضعاف فرص النفوذ الأميركي المتزايد في مصر، وفرص التقارب الأميركي–السوري.
وفي 11 أكتوبر/ تشرين الأول 1974، أشار بريجنيف لأول مرة إلى حقّ الشعب الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية بدلًا من “الوطن القومي”. وأكد الاتحاد السوفييتي استعداده لدعم الدولة الفلسطينية عندما تقوم بكل ما يستطيع.
أطلق الزعيم السوفيتي مبادرة في 19 سبتمبر 1982 عرفت باسم “مبادرة بريجنيف” تدعو لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاستيطان وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية
ومرت السنوات، وظلت القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وفي مطلع الثمانينيات، كان الاتحاد السوفيتي الذي يقوده بريجنيف المريض، قد فقد أغلب أوراق قوته في منطقة الشرق الأوسط، فيما مالت موازين القوى لصالح واشنطن.
على استحياء، أطلق بريجنيف في فبراير/ شباط 1981 دعوة لعقد مؤتمر دولي لحلّ الصراع العربي–الصهيوني، لكن دعوته لم تلق آذانًا صاغية.
وعن تلك المبادرات، يقول روسلان غريغوريفيتش، مدير “صندوق تاريخ الوطن” الروسي، إنّ العديد من المبادرات المتعلقة بتسوية الصراعات ظهرت في عهد بريجنيف، وقد وُضعت خلالها أسس كثيرة للعلاقات بين الاتحاد السوفيتي والدول العربية.
في عهد بريجنيف فتحت منظمة التحرير الفلسطينية مكتبًا لها في موسكو وتوطدت العلاقات بين السوفييت والفلسطينيين – غيتي
وفي 15 سبتمبر/ أيلول 1982، جدّد بريجنيف دعوته لمؤتمر السلام، لكن الرد الإسرائيلي جاء في اليوم التالي بمذبحة صبرا وشاتيلا، وهو ما دفع الزعيم السوفيتي إلى إطلاق مبادرته الشهيرة التي حملت اسمه في 19 سبتمبر.
وتقول لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية، إنّ “ما قام به بريجنيف له تأثير كبير، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، واليوم نشهد علاقات روسية مع سوريا، وعلاقات مع مصر والجزائر ودول عربية متعددة. وآثار تلك المرحلة امتدت لتُغيّر شكل العلاقات الخارجية الروسية إيجابيًا”.
في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1982، انتهت حياة بريجنيف قبل أن يتمكن من اتخاذ خطوات فعلية لتنفيذ مبادرته، حيث رحل الزعيم السوفييتي، تاركًا أرثًا كبيرًا من المعارك السياسية والقرارات الكبرى التي كان لها تأثيرها على العالم كلّه.


