أبعاد

ساحة صراع اقتصادي وجيوسياسي.. أوروبا تخطو خطوة للاستقلال الفضائي

في خطوة تعد الأكبر في تاريخها منذ تأسيسها قبل نصف قرن، أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية اعتماد ميزانية قدرها نحو 22 مليار يورو للسنوات الثلاث المقبلة، وهي زيادة تتجاوز 5 مليارات يورو مقارنة بما رصد قبل ثلاث سنوات.

واختارت الدول الأوروبية الثلاث والعشرين أن ترسل رسالة مفادها بأنّ أوروبا تريد العودة إلى سباق الفضاء بوصفها لاعبًا مستقلًا، لا تابعًا لغيرها.

تحولات في ميزان القوى الفضائي

وخلال الاجتماع الوزاري في مدينة بريمن، قال مدير الوكالة الأوروبية جوزيف أشباخر، إنّ ما حدث غير مسبوق، مؤكدًا أن الفضاء أصبح اليوم جزءًا من الأمن القومي الأوروبي، وليس قطاعًا علميًا فحسب.

وتزامن القرار الأوروبي مع التحولات الكبيرة في ميزان القوى الفضائي في العالم، فالولايات المتحدة قد عززت حضور الشركات الخاصة وعلى رأسها “سبيس إكس” المملوكة لإيلون ماسك، والصين قفزت بسرعة مذهلة نحو مشاريع المريخ والهبوط على القمر.

أمّا روسيا، فمع الحرب في أوكرانيا، أوقفت تعاونها الصاروخي مع أوروبا، وسحبت صواريخ “سويوز” التي كانت تعتمد عليها الوكالة الأوروبية لإطلاق الأقمار، حيث وجدت أوروبا نفسها بهذا الانقطاع للمرة الأولى من دون قدرة إطلاق مستقلة.

تزامن القرار الأوروبي مع التحولات الكبيرة في ميزان القوى الفضائي في العالم – غيتي

وخرج صاروخ “أريان 5” من الخدمة، وصاروخ “أريان 6” تأخر، والقارة باتت تعتمد على منصات أميركية تجارية لإرسال أقمارها إلى المدار، لذلك تبدو هذه الميزانية الجديدة محاولة واضحة لسد فجوة استراتيجية خطيرة، ولإعادة بناء السيادة الفضائية الأوروبية من جديد.

أهداف الخطوة الأوروبية

واعتبر خبراء ومراقبون أن الترفيع في ميزانية وكالة الفضاء الأوروبية يهدف إلى استعادة أوروبا القدرة على الإطلاق الفضائي المستقل، وذلك عبر الإسراع في إدخال “أريان 6” إلى الخدمة، وتطوير أجيال جديدة من محركات الدفع الأوروبي.

ويأتي ذلك إلى جانب تعزيز البنية التحتية الفضائية العسكرية وغير العسكرية من شبكات الملاحة الأوروبية إلى أنظمة الاتصالات المشفرة، ونظم مراقبة الأرض والمجال البحري والحدود.

كما تهدف الخطوة الأوروبية إلى تطوير منظومات فضائية لمواجهة التهديدات الحديثة، لا سيما بعد ازدياد مخاطر الهجمات السيبرانية، والقصف الفضائي المضاد للأقمار، وتنامي حضور ما يطلق عليه “الفضاء العسكري” في الاستراتيجيات الأميركية والصينية.

وتدفع هذه الأهداف، فضلًا عن تغييرات في سياسة الولايات المتحدة، أوروبا نحو الاستقلال في هذا المجال، فمنذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تشهد وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” ضغوطًا واسعة لإعادة توجيه الإنفاق نحو أهداف محددة، ولتقليص ميزانيات الاستكشاف العلمي.

ويجعل هذا التحول الأميركي أوروبا أكثر هشاشة إذا اعتمدت على واشنطن، ويفسر رغبتها في بناء ما يشبه مناعة فضائية ذاتية.

والسؤال المطروح الآن في الأوساط السياسية الأوروبية: هل يمكن أن تظهر خلال السنوات المقبلة قوة فضائية أوروبية قادرة على تحقيق التوازن مع الولايات المتحدة والصين؟

وفي هذا الاتجاه، تعد الميزانية الجديدة هي خطوة كبيرة، لكن بناء قدرة فضائية سيادية يتطلب تسريع مشاريع الإطلاق، حسب ما يقول مختصون بالمجال، إضافة إلى تحديث التشريعات، وتوحيد الجهود بين الدول، والاستثمار طويل المدى في الشركات العلمية والبحثية. 

ولهذا تعمل المفوضية الأوروبية على تشريع شامل يعرف باسم قانون الفضاء الأوروبي، ليكون إطارًا موحدًا يضمن سلامة الأنشطة الفضائية وحمايتها، وفق المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس.

لماذا لجأت أوروبا إلى “الانفصال” عن الشركاء؟

وفي هذا الإطار، يرى المهندس أحمد فريد، الخبير في وكالة الفضاء الألمانية، أنّ الأوروبيين لجأوا إلى الاهتمام بأمن الفضاء على ضوء التحوّلات والتغيّرات التي يشهدها العالم في ميزان القوى، ولا سيما مع الحروب المشتعلة.

ويشير فريد، في حديثه إلى التلفزيون العربي من ميونخ، إلى أنّ الاهتمام الأوروبي بأمن الفضاء بدأ مع تصاعد الحروب السيبرانية التي تستهدف الأجهزة والمحطّات الفضائية والأقمار الاصطناعية.

ويلفت إلى أنّ أمن الفضاء هو في جوهره أمن الأرض، إذ يمكن من خلاله الحفاظ على أمن حدود الدول، ومتابعة ملفّ الهجرة غير النظامية، ومراقبة مراكز القوى المنتشرة على الكرة الأرضية.

ويُوضح أن قرار تعزيز الوجود في الفضاء يهدف إلى حماية الأمن القومي الأوروبي، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة، وذلك عبر ضخّ مليارات الدولارات في هذا المجال.

ويخلص إلى أنّ الأوروبيين اتجهوا إلى الاعتماد على أنفسهم و”الانفصال” عن الولايات المتحدة وغيرها، في ظلّ الحروب والخلافات والسياسات المختلفة بين عدد من الشركاء.

shpm wvhu hrjwh]d ,[d,sdhsd>> H,v,fh jo', o',m gghsjrghg hgtqhzd

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي