أبعاد

فيروز في عيدها الـ91.. محطات لامعة في مسيرة نهاد حداد

تطفئ الفنانة اللبنانية فيروز شمعتها الأولى بعد التسعين، في عيد ميلادها الحادي والتسعين، بعد مسيرة أسطورية امتدّت لسبعة عقود، غنّت خلالها للحب والقرى والمدن والقدس ولبنان، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة.

وُلدت فيروز، واسمها الحقيقي نهاد وديع حداد، في حي زقاق البلاط الشعبي في العاصمة بيروت، في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1934، بحسب عدد من المراجع التي اعتمدت هذا التاريخ للاحتفال بميلادها، رغم الجدل القديم حول سنة ولادتها الدقيقة.

من زقاق البلاط إلى الإذاعة اللبنانية

كبرت نهاد حداد في بيت متواضع، لكن صوتها كان يعلو في حفلات المدرسة والحي، قبل أن يكتشفها الموسيقي محمد فليفل، أحد مؤسسي المعهد الوطني للموسيقى في لبنان، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، في بداية الخمسينيات.

بدأت فيروز رحلتها مع فرقة الإذاعة اللبنانية، حيث لفتت انتباه الملحن حليم الرومي، مدير القسم الموسيقي في الإذاعة آنذاك، فأُعجب بصوتها “النادر النقي” كما وُصف في أكثر من شهادة، واقترح لها اسمًا فنيًا هو “فيروز”، لينطلق فصل جديد في تاريخ الأغنية اللبنانية.

تروي فيروز عن بداياتها في أحد اللقاءات النادرة، فتقول: “دخلت الإذاعة كموظفة، وكان حليم الرومي مدير القسم الموسيقي، وعاصي الرحباني عازفًا هناك. بدأت ككورال، ثم سلّمني الأغاني مباشرة”، قبل أن تضيف أن فترة عملها كموظفة كانت قصيرة جدًا، “ومن بعدها بدأ المشوار”.

فيروز والرحابنة.. مسرح لبنان وصورته المثالية

في 23 يناير/ كانون الثاني 1955، تزوجت نهاد حداد من عاصي الرحباني، لتصبح “فيروز والرحابنة” ثلاثية فنية رسمت صورة مثالية للبنان على المسرح وفي الأغنية.

وأنجبت فيروز أربعة أبناء هم زياد الرحباني الذي توفي هذا العام، إضافة إلى ليال، هالي، وريما. ومع هذا الجيل الجديد، استمر اسم الرحابنة حاضرًا في حياة فيروز الشخصية والفنية معًا.

في عامها الحادي والتسعين، ما زالت فيروز جزءًا من يوميّات الناس أكثر مما هي مجرد أيقونة معلّقة على الجدار. تُسمَع مع فنجان القهوة، ومع طريق العمل، وفي ليالي الحنين إلى مدن تغيّرت ووجوه غابت.

منذ أواخر الخمسينيات، أصبحت فيروز أحد أعمدة “ليالي لبنان” في مهرجانات بعلبك الدولية، حيث قدّمت أعمالًا مسرحية وغنائية كتبها ولحّنها الأخوان رحباني، مثل “أيّام الحصاد”، و”البعلبكية”، و”بياع الخواتم”، و”هالة والملك”، وغيرها من المسرحيات التي مزجت بين الفولكلور اللبناني والرؤية الشعرية والسياسية الرومانسية للبنان.

ولدت فيروز في حي زقاق البلاط الشعبي في بيروت – غيتي

القدس وبيروت والعالم العربي

لم تبقَ أغاني فيروز في حدود الحب والريف اللبناني، بل ارتبط اسمها سياسيًا وروحيًا بمدينة القدس بعد أغنية “زهرة المدائن” التي صدرت أواخر ستينيات القرن الماضي، لتصبح من أشهر الأغاني العربية عن القدس وفلسطين. 

كما غنّت لبيروت في عزّ الحرب الأهلية، وقدّمت أغنيات وطنية مثل “بحبك يا لبنان” و”رجع أيلول” و”لبيروت”، لترسّخ صورتها كصوت المدن الجريحة والذاكرة الجماعية للبنانيين في الداخل والمهجر.

من تجربة السينما إلى التجديد مع زياد

شاركت فيروز في عدد من الأفلام السينمائية التي حملت بصمة الرحابنة، مثل “بياع الخواتم” و”سفر برلك” و”بنت الحارس”. وعن هذه التجربة تقول:

“الأفلام التي شاركت فيها احتفظت بكل ما نحب من البيوت والقصص والأماكن والناس، وحافظت على الأشياء التي أردنا أن تبقى في السينما”.

ابنها زياد الرحباني، الذي وُلد عام 1956، لم يكن مجرّد امتداد لمدرسة والده، بل شكّل تحوّلًا في مسيرة فيروز نفسها؛ إذ لحّن لها أعمالًا بارزة مثل “سألوني الناس” عام 1973، وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم “كيفك إنت” عام 1991، إلى جانب أغانٍ كثيرة في ألبومات غيّرت اللغة الموسيقية التي تُقدَّم بها فيروز إلى الجمهور، من خلال تمازج الجاز والتوزيع الحديث مع الروح الرحبانية الأساسية.

جارة القمر فيروز.. نبذة عن حياة نهاد حداد التي تحتفل بعيد ميلادها الـ91 – “أنا العربي”

وفي الألفية الجديدة، واصلت فيروز حضورها من خلال ألبومات جديدة، من بينها “ولا كيف” (2002)، و”إيه في أمل” (2010) الذي حمل توقيع زياد تأليفًا وتوزيعًا، و”ببالي” (2017)، لتؤكّد أنها قادرة على التجدد مع المحافظة على هويتها الصوتية والنصّية.

حضور نادر وحزن مضاعَف

طوال مسيرتها، عُرفت فيروز بندرة ظهورها الإعلامي، وعمق إحساسها، وابتعادها عن التصريحات والخلافات العلنية، مقابل حضور طاغٍ لصوتها وأغانيها في الذاكرة العربية. فبينما بقيت المقابلات التلفزيونية معها قليلة جدًا، ظلّت ألبوماتها وحفلاتها القديمة تُعاد باستمرار، ويرافقها التعلق الشعبي بصوتها في كل مناسبة وطنية أو دينية أو عاطفية.

في عيدها الحادي والتسعين، تبدو سيرة فيروز سلسلة متصلة من المحطات اللامعة: من زقاق البلاط إلى بعلبك، ومن “زهرة المدائن” إلى “بحبك يا لبنان”، ومن مسرحيات الرحابنة إلى تجارب زياد الرحباني، لكنها ثابتة في الوجدان، كصوت لا يزال يوحّد أجيالًا وبلدانًا رغم كل ما تبدّل من حوله

وفي 26 يوليو/ تموز 2025، رحل ابنها زياد الرحباني عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد مسيرة فنية وفكرية حافلة جعلته واحدًا من أبرز الأسماء في الموسيقى والمسرح في لبنان والعالم العربي. وقد ظهرت فيروز في وداعه مرتدية السواد في مشهد نادر، اعتبره كثيرون لحظة تختزل حزنًا قديمًا بدأ مع رحيل عاصي الرحباني، وتجسّد في فقدان الشريك والابن معًا.

في عيدها الـ91، تبدو فيروز بمثابة ذاكرة حيّة تتجدّد كلما دوّى صوتها من شرفة أو مذياع أو شاشة هاتف. فنهاد حدّاد، ابنة زقاق البلاط، صارت بالنسبة لملايين العرب اسمًا آخر للبنان نفسه: بلد صغير بصوت هائل، ينهض من تحت الركام ويغنّي. قد يكون سرّها أنّها لم تَعِش فقط في زمنها، بل عاشت في أزمنتنا كلّنا. فمن سمعها طفلاً ومن اكتشفها كبيرًا، ومن وجد في “زهرة المدائن” حنينًا، وفي “بحبّك يا لبنان” وجعًا، وفي “إيه في أمل” نافذة صغيرة على الغد؛ جميعهم يلتقون عند هذا الصوت الذي لا يزال، رغم كل شيء، يذكّرنا بأن في هذه المنطقة المرهَقة شيئًا جميلًا يستحق أن يُحفظ: أغنية صافية بصوت امرأة اسمها نهاد حدّاد.

tdv,. td ud]ih hgJ91>> lp'hj ghlum td lsdvm kih] p]h]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات