أبعاد

انقلاب 7 نوفمبر كما لم يُروَ: كواليس الساعات الأخيرة بين بورقيبة وبن علي

شكّل فجر السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 لحظة انكسار بين عهدين في روزنامة الحكم في تونس: عهد الحبيب بورقيبة الذي شاخ على كرسي الرئاسة، وعهد زين العابدين بن علي الذي دخل التاريخ من باب “الانقلاب الدستوري”.

فباسم المادة 57 من الدستور، وبشهادة أطباء لم يفحصوا رئيسهم سريريًا، انتقل ضابط الأمن الصاعد من موقع “رجل الداخلية الأول” إلى موقع “الرئيس المنقذ”، بينما كان التونسيون يستيقظون على بيان يتحدّث عن “عهد جديد” وإعادة العمل بالمؤسسات.

اليوم، بعد عقود على ذلك اليوم، تعود شهادات من كانوا هناك لتروي بالتفصيل كيف صيغ التقرير الطبي، وكيف أُحيط القصر بالدبابات، وكيف خرج بورقيبة من قرطاج في ليلة باردة لم يكن فيها شريكًا في كتابة نهايته السياسية.

بين قيقة ومزالي.. جذور الصراع داخل الدولة

وفقًا لمقابلة أرشيفية أُجريت عام 1988 مع المعهد الوطني الفرنسي، اعتبر بن علي أن ما حصل في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 كان هدفه “إعادة العمل إلى المؤسسات المعطّلة”.

ويقول بن علي في تلك المقابلة، التي جاءت بعد نحو عام على إزاحة الحبيب بورقيبة، إن ما قام به جاء “تلبية لنداء الواجب وانتظارات الشعب”، مضيفًا أن “الوضع الصحي للرئيس حينها لم يكن يسمح له بمواصلة مهامه”.

فبن علي، الذي تحوّل من ضابط أمن إلى رئيس دولة، حكم تونس على مدار ربع قرن بقبضة أمنية مشددة. وقد تدرّج في العمل الأمني حتى أصبح “رجل الداخلية الأول”، ليتمكن لاحقًا من الوصول إلى كرسي الرئاسة في فترة كانت البلاد تعيش فيها أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة.

ويروي رفيق الشلي، مدير الأمن الرئاسي في عهد بورقيبة، أن الصراعات التي عاشتها تونس في تلك الفترة تعود جذورها إلى بدايات أزمة الخبز عام 1984، حين كان إدريس قيقة يتولّى وزارة الداخلية، ومحمد مزالي رئاسة الحكومة.

ويشير الشلي في شهادته لبرنامج “كنت هناك” عبر التلفزيون العربي، إلى أن الرجلين كانا يتصارعان على من يتولى رئاسة القصبة (مقر الحكومة في العاصمة التونسية)، على خلفية مرض وكِبر سنّ الرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك.

شهدت تونس عام 1984 انتفاضة الخبز وعرفت أحداثًا سياسية مختلفة في تلك الفترة – غيتي

من جهتها، ترى سميرة الدامي، الصحافية التونسية في جريدة “لابراس” الحكومية، أن المواطن التونسي “يقلق كثيرًا” بشأن أوضاعه الاقتصادية عندما لا تكون مستقرة، لافتةً إلى أن تلك المرحلة شهدت تصاعدًا في الصراعات بين اللوبيات في ظل الأزمة الاقتصادية.

ومع تدهور الأوضاع الأمنية عام 1984، قرر بورقيبة إعادة بن علي إلى عمله الأمني بعد أن شغل منصب سفير تونس في بولونيا، ليبدأ نجمه باللمعان داخل وزارة الداخلية إثر قيادته مواجهة ضد الحركة الإسلامية التي كان نفوذها يتوسع في تلك الفترة.

وعن تلك الحقبة، يقول الدكتور سليم بن صالح، عميد الأطباء السابق في تونس، إن البلاد لم تكن تعيش وضعًا أمنيًا أو اقتصاديًا مريحًا، في ظل الاحتجاجات الشعبية والملاحقات القضائية لعناصر “الإخوان المسلمين”، ولا سيما بعد العفو الذي أصدره بورقيبة بحقهم، وفق رأيه.

ويضيف مدير الأمن الرئاسي السابق أنّ تونس شهدت في سبتمبر/ أيلول 1984 محاكمة قيادات بارزة من حركة “الاتجاه الإسلامي” والإسلاميين عمومًا، حيث عاشت البلاد على وقع أوضاع أمنية متوترة وسط مخاوف من حدوث “عمليات إرهابية” حينها.

كان انقلاب السابع من نوفمبر ناعمًا في الشكل، صلبًا في جوهره، نقل السلطة من زعيم تاريخي هرِم إلى ضابط أمن بنى شرعيته على خطاب “إنقاذ الدولة”

من جانبه، يتحدث علالة الرجيشي، محامي الرئيس بورقيبة، عن امتلاك بن علي قدرة واسعة في مجال الاستعلامات (الاستخبارات)، مشيرًا إلى أنه سعى إلى إقناع بورقيبة بوجود “شبح كبير” يهدد تونس يتمثل في “الخطر الإسلامي”. ويذكر الرجيشي في شهادته لبرنامج “كنت هناك” أن البلاد شهدت حينها موجة اعتقالات واسعة طالت “كل من يرتاد المسجد للصلاة”، باعتباره “خطرًا على أمن الدولة”.

ويوضح الرجيشي أن خطة بن علي كانت تقوم على عزل كل شخص يمكن أن ينقل إلى بورقيبة رواية تختلف عن روايته.

أما رفيق الشلي، فيضيف أن بن علي أصبح “الرجل القوي في النظام” بعد أن منحه بورقيبة صلاحيات مطلقة في مختلف السلطات الأمنية والسياسية والحزبية.

من الترقية إلى التحضير.. كيف بدأ التخطيط للانقلاب؟

نجح بن علي في فترة قصيرة بكسب تأييد العديد من رجالات الدولة. وخلال محاكمة متهمي الحركة الإسلامية بتفجيرات المنستير، كُلف من قبل بورقيبة بتشكيل الحكومة عقب تعيينه وزيرًا أول بعد الاستغناء عن الوزير محمد مزالي عام 1987.

وما إن باشرت الحكومة عملها في يومها الأول حتى تراجع بورقيبة عن موافقته عليها، الأمر الذي دفع بن علي إلى التحضير للتحرك بالتعاون مع بعض أعضاء الحزب الاشتراكي الحاكم.

وعن تلك الفترة، يشير رفيق الشلي، مدير الأمن الرئاسي في عهد بورقيبة، إلى أن بن علي لم يقدّم للرئيس يومها السير الذاتية للوزراء لدراستها، مما أدى إلى نشوب خلاف بين الطرفين بشأن الموافقة الأولية لبورقيبة، ثم تراجعه عنها لاحقًا بحجة وجود وزراء “غير صالحين” أو “صغار السن” لتولّي الحقائب الوزارية.

ويوضح الشلي أن بن علي أبدى تخوّفًا بعد موقف بورقيبة وإمكانية سحب الثقة منه في منصب الوزير الأول، مشيرًا إلى أن هذه كانت من بين الأسباب التي تحدّث عنها بن علي شخصيًا أمامه ليلة السابع من نوفمبر.

ويروي الشلي أن بن علي، الذي عيّن عبد الوهاب عبد الله في قصر قرطاج، كان يأتي يوميًا إلى القصر ثم يتوجه إلى ثكنة الحرس الوطني القريبة، حيث يجلس مع الحبيب عمار لأكثر من ساعة، وهو ما أثار تساؤلات في تلك الفترة. وقد اتضح لاحقًا أن هذه اللقاءات كانت جزءًا من التحضير للانقلاب الذي وقع فيما بعد.

اشتد الخلاف بين بورقيبة وبن علي بشأن تشكيلة الحكومة وأسماء الوزراء – غيتي

تدهور صحة بورقيبة.. مدخل بن علي للانقلاب

وجاء في تقريرٍ طبيٍّ أصدره سبعةُ أطباء أنّ الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، البالغ من العمر 87 عامًا آنذاك، عاجزٌ عن القيام بالمهام المنوطة به، بما يجيز تولّي بن علي الرئاسة، وفقًا للمادة 57 من الدستور التونسي.

ويقول علالة الرجيشي، محامي بورقيبة، إنّ حالته الصحية كانت شيئًا وحالته النفسية شيئًا آخر، نظرًا لتقدّمه الكبير في السن.

وينقل الرجيشي عن الباجي قائد السبسي أنه سأل بورقيبة: “هل تحس بشيء؟”، فأجابه بورقيبة: “لا أحس بشيء إلا كي أموت”.

في الساعات الأخيرة من حكم بورقيبة، تحوّل المرض والشيخوخة من حالة إنسانية إلى أداة سياسية؛ جرى استدعاء الأطباء لا لمداواة الرئيس، بل لتوقيع نهاية عهده باسم العلم والدستور في آن واحد

ويضيف الرجيشي أن بورقيبة، عندما استعرض السير الذاتية التي قدّمها بن علي، رأى أنّ بعض الأسماء لا تستحق تولّي مسؤوليات وزارية، معتبرًا أن هذا الموقف استُخدم لاحقًا للدلالة على أنّ بورقيبة “لم يعد متمسكًا بمداركه العقلية”.

من جهته، يقول الدكتور سليم بن صالح، عميد الأطباء السابق، إنّ الدستور التونسي ينصّ على أنّ الرئيس يبقى في منصبه ما دام “يتنفس وقلبه ينبض”، مشيرًا إلى أنّ الخيارات التي كانت مطروحة آنذاك لإبعاده عن الحكم تمثلت إمّا في الحصول على شهادة طبية تثبت عجزه، أو تنفيذ انقلاب عسكري ينهي سلطته.

وبخصوص كيفية استخراج الشهادة الطبية، يوضح محامي بورقيبة أنّ بن علي استدعى وزيرة الصحة حينها، سعاد اليعقوبي، إلى مقر وزارة الداخلية، حيث جرى إعداد الوثيقة الطبية بمشاركة عدد من الأطباء من دون لقاء بورقيبة أو الكشف عليه سريريًا.

ويضيف أنه عقد لقاءً مع سعيدة ساسي، ابنة أخت الرئيس بورقيبة، وهي التي أبلغت بن علي بأن الرئيس يعتزم عزله من منصبه ومنعه من تولّي رئاسة الحكومة.

أما مدير الأمن الرئاسي في عهد بورقيبة، فيذكر أنّ عز الدين قديش ومحمد قديش والعنابي كانوا من بين الأطباء الذين رافقوا الرئيس لسنوات طويلة، لكنه يلفت إلى أنّ العنابي، على سبيل المثال، “لم يذكر أنه زار بورقيبة منذ سنوات” خلال تلك الفترة الحساسة.

ويشير إلى أنه جرى استدعاء هؤلاء الأطباء لأنهم عملوا سابقًا مع بورقيبة ويعرفون وضعه الصحي، غير أنهم أُجبروا على التوقيع على الوثيقة الطبية التي استُخدمت لإثبات عجزه.

استند بن علي في تنفيذ انقلابه على بورقيبة على تقرير طبي – غيتي

ليلة انقلاب 1987.. كيف بدأت عملية اقتحام القصر؟

كانت وزارة الداخلية مقر التخطيط للانقلاب بقيادة بن علي، حيث اجتمع هذا الأخير مع هادي البكوش لصياغة البيان. وكان الحبيب عمّار آمر الحرس الوطني ينتظر التعليمات ليصدر أوامره لعناصره بالدخول إلى القصر الرئاسي في قرطاج.

وعن ليلة السابع من نوفمبر، يقول محامي بورقيبة إنّ بن علي استدعى الحبيب عمار وهادي البكوش وعبد الحميد بلشيخ إضافة إلى جنرال آخر إلى مقر وزارة الداخلية، حيث صدرت الأوامر بإطلاق عملية الانقلاب والتوجه إلى القصر الرئاسي.

ويروي مدير الأمن الرئاسي في عهد بورقيبة أن بن علي اتصل به هاتفيًا قرابة منتصف الليل، وطلب منه اللحاق به في مكتبه. ويشير إلى أنّ الأمر أثار لديه كثيرًا من التساؤلات حول الوضع الأمني وحالة الرئيس، خصوصًا أنّ الحرس الرئاسي كان تابعًا لوزارة الداخلية في تلك الفترة.

وينقل رفيق الشلي عن بن علي قوله في تلك الليلة:

“الرئيس بورقيبة تقدّم في السن، وقد شكّلنا حكومة جديدة.. وبعد أن أنجزنا كل شيء، عاد في اليوم التالي ليتراجع. لا يمكن أن نستمر في العمل بهذه الطريقة. لذلك قررت أن أتولى الأمور بنفسي لخدمة البلاد، وسنعطي الرئيس بورقيبة مكانته وطبيبه ونوفر له الرعاية اللازمة”.

ويضيف الشلي أنه فوجئ بما سمعه، وظلّ ينظر إلى بن علي من دون ردّ مباشر، قبل أن يبادره الأخير بالقول إنّ “بلدانًا أخرى تستخدم القوة في مثل هذه الحالات”.

كواليس الساعات الأخيرة داخل قصر قرطاج

من جهته، يروي علالة الرجيشي في شهادته أن الحرس الرئاسي التونسي رفض في البداية الانصياع للتعليمات التي أصدرها مدير الجهاز رفيق الشلي، قبل أن يقنعهم الأخير بأنهم “لا يملكون السلاح الكافي لمواجهة الدبابات والعتاد العسكري الكبير الذي قدم به الحبيب عمار”.

ويشير الرجيشي إلى أنّ قوات الحرس الوطني كانت قد طوقت القصر الرئاسي في قرطاج، وقطعت عنه جميع الاتصالات.

وينقل أن بورقيبة عاش خلال تلك اللحظات هاجسًا أمنيًا، معتقدًا أنّ من يحاصر القصر هم الإسلاميون، ما دفعه إلى محاولة الهروب عبر المصعد وتعطيله.

وفي شهادته لبرنامج “كنت هناك”، يقول رفيق الشلّي إن عمليات الإيقاف والاعتقال كانت جارية في البلاد في تلك الليلة، ولم يبقَ أمامهم سوى السيطرة على قصر قرطاج.

ويضيف أن ما كان يشغله في تلك المرحلة هو “الحفاظ على السلامة الجسدية للرئيس بورقيبة”، ولذلك أصدر تعليماته بانسحاب عناصر الأمن الرئاسي، وترك مهمة حماية الرئيس للحرس الوطني.

ويلفت إلى أنه بعد سيطرة قوات الحرس الوطني على جميع المفاصل داخل القصر، تحدث مع بن علي الذي أبلغه بأنه سيتم نقل بورقيبة إلى “دار الهناء” في ولاية صفاقس لتلقي العناية هناك.

تفاصيل مثيرة عن ليلة السابع من نوفمبر عام 1987 ومحاصرة قصر قرطاج

ويروي الشلّي أن بن علي والهادي البكوش وكمال لطيّف كانوا حاضرين في الاجتماع الذي عُقد في وزارة الداخلية، حيث كان يجري إعداد البيان الذي سيلقيه بن علي لاحقًا.

ويقول إن بن علي أبلغه بأن بورقيبة رفض مغادرة القصر الرئاسي، وأنه قد يلجأ إلى استخدام القوة معه، غير أن مدير الأمن الرئاسي نصحه بجلب شخصية يمكن أن تؤثر فيه وتقنعه، فوقع الاختيار على حمادي غديرة، وزير الفلاحة آنذاك ومن أبناء المنستير، نظرًا لعلاقته الوطيدة بالرئيس. وتمكّن غديرة بالفعل من إقناع بورقيبة بالخروج من القصر، ليُروى أنه تم تجهيز طائرة هليكوبتر لنقله إلى صفاقس.

حصل انقلاب بن علي على دعم من أطراف خارجية، كان أبرزها رجل الأعمال السياسي الإيطالي سيلفيو برلسكوني، فضلًا عن دعم أميركي وفرنسي

ومن جانبه، يروي محامي بورقيبة أن تلك الليلة كانت شديدة البرودة، وأن أحد عناصر الأمن خلع معطفه ليغطي به الرئيس، قائلاً بأسى إنهم “لم يمنحوه حتى ما يقيه البرد”، واصفًا ما حدث بأنه واقعة مؤلمة.

ويضيف أن ما جرى آنذاك كان نتيجة “تشخيص خاطئ” لحالة بورقيبة الصحية؛ إذ عولج على أساس مشكلات في التنفس والمجاري البولية، بينما كان يعاني في الحقيقة من مشكلات في القلب. كما يشير إلى أنه نُقل لاحقًا من المستشفى العسكري إلى “دار الوالي” في ولاية المنستير.

تلقى بن علي دعمًا خارجيًا من إيطاليا وفرنسا لتنفيذ انقلابه على بورقيبة – غيتي

الدعم الخارجي.. من برلسكوني إلى فرنسا

كان من اللافت حصول بن علي وانقلابه على دعم من أطراف خارجية، كان أبرزها رجل الأعمال السياسي الإيطالي سيلفيو برلسكوني، فضلًا عن دعم أميركي وفرنسي.

وفي هذا السياق، يقول علالة الرجيشي، محامي الرئيس الحبيب بورقيبة، إن برلسكوني خصّص طائرة لبن علي كخيار للفرار إلى إيطاليا في حال فشل الانقلاب. كما يكشف أن بن علي ترك وصية لأحد مساعديه تتضمن أمرًا بـ”قتل عائلته” إن لم ينجح في السيطرة على الحكم.

ويشير الرجيشي إلى أن بن علي استفاد من دعم خارجي واضح، خصوصًا من إيطاليا وفرنسا، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، جاك شيراك، لعب دورًا في هذا الدعم، بينما لم يكن الرئيس فرانسوا ميتران على علم مسبق بالانقلاب على بورقيبة، وفق روايته.

كيف استيقظت تونس على عهد جديد؟

في صبيحة السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، استفاقت تونس على صوت بيان الانقلاب الذي تلاه بن علي، معلنًا فيه افتتاح “عهد جديد” برئاسته.

فصحيفة “لابراس” ذات التوجّه الحكومي، والتي كانت قد أصدرت عددها المعتاد صباح ذلك اليوم متغنّية بخصال بورقيبة، عادت عند الظهيرة لتصدر عددًا استثنائيًا تؤيد فيه الرئيس الجديد بن علي وتُقِرّ بتولّيه الرئاسة.

وتقول سميرة الدامي، الصحافية في الجريدة الحكومية، إنّ جميع الصحف المحلية ومنها “لابراس” كانت تنشر أخبار وأنشطة بورقيبة بشكل يومي، لكن جرى إصدار نسخة جديدة في ذلك اليوم تتضمّن ما حدث من تغيير في البلاد.

وتنقل الدامي أنّه جرى التواصل مع الصحيفة لتعديل الصفحة الأولى من العدد الصادر صباحًا، فتمّ تغييرها بما ينسجم مع التطورات السياسية التي شهدتها تونس في ذلك اليوم.

صحيفة “لابراس” نشرت عددًا استثنائيًا صبيحة تنفيذ انقلاب بن علي – غيتي

ولم يعتد الشارع التونسي على الانقلابات العسكرية، حيث تباينت الآراء بشأن “العهد الجديد”، إلا أن الانفتاح الذي بدأه بن علي بداية رئاسته وملامح النهضة الاقتصادية حظيت بتأييد شعبي واسع.

وعن ذلك، تقول الدامي إنّه كان يتمّ الاحتفال كلّ عام بـ”إنجازات” السابع من نوفمبر، من خلال ملاحق ورقية تتناول ما وُصِف بـ”إنجازات النظام” في مجالات الثقافة والرياضة والاقتصاد وغيرها. وتشير إلى أنّ الصحافيين الذين لم يرغبوا في العمل على هذه الملفات كانوا يتجهون إلى أقسام الرياضة أو الثقافة تفاديًا للحديث في السياسة.

وتروي أنّ الناس كانوا “يتحسّرون” على بورقيبة، معتبرين أن “نهايته السياسية” لم تكن مشرفة ولا ديمقراطية.

من جهته، يقول علالة الرجيشي، محامي بورقيبة، إنّ ما حدث كان “صدمة كبيرة” للشارع التونسي الذي لم يكن معتادًا على الانقلابات.

أمّا رفيق الشلي، مدير الأمن الرئاسي في عهد بورقيبة، فيؤكد أنّه لم تكن هناك معارضة لحدث السابع من نوفمبر، بل إن “الجميع صفّق ووافق” على ما جرى في البلاد. ويضيف أنّ بورقيبة ارتكب ثلاثة أخطاء أساسية؛ أولها ما حدث في مؤتمر عام 1974 الذي كان يُفترض أن يشهد قدرًا من الانفتاح على الديمقراطية، لكنه لم يفعل.

ووفق الشلّي، كان الخطأ الثاني إقرار الرئاسة مدى الحياة، وهو أمر “لا ينسجم مع الدستور” وجعل كثيرين غير راضين عنه. بينما يتمثل الخطأ الثالث في إقحام شخصية عسكرية في الحياة المدنية، في حين أن “الجيش يجب أن يبقى في ثكناته”. 

بهذا المعنى، كان انقلاب السابع من نوفمبر 1987 تتويجًا لمسار طويل من الإخفاقات السياسية والصراعات الداخلية والتقدّم في السنّ لدى الحبيب بورقيبة، مسار وجد فيه زين العابدين بن علي فرصة ليقدّم نفسه بوصفه “المنقذ” القادر على إعادة انتظام الدولة. لكنّ السنوات اللاحقة ستثبت أنّ ذلك “الإنقاذ” لم يكن سوى انتقال من شكل إلى آخر من أشكال الاستبداد، وأنّ الانقلاب الذي سُوِّق بعبارات الشرعية و”تصحيح المسار” وضع البلاد أمام ربع قرن جديد من القبضة الأمنية الصلبة.

hkrghf 7 k,tlfv ;lh gl dEv,W: ;,hgds hgshuhj hgHodvm fdk f,vrdfm ,fk ugd

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار