أبعاد

القرى السبع من سايكس-بيكو إلى 1948: كيف خسرها لبنان؟

في لبنان، قضيةٌ ما زالت مفتوحة وتجاوز عمرها الـ100 عام، تتعلّق بقرى لبنانية جرى سلخها عن لبنان وضمّها إلى فلسطين، قبل أن تحتلّها إسرائيل لاحقًا.

هذه القرى كانت ضحيةً لتقسيمٍ بين فرنسا وبريطانيا إبّان سيطرتهما على بلاد الشام (لبنان وسوريا وفلسطين) إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918. ومن حيث التسمية، تُعرَف هذه المناطق باسم “القرى السبع”، وكانت تقع في جنوب لبنان. وقد برزت مسألتها قبيل إعلان قيام “دولة إسرائيل” في فلسطين عام 1948.

مثّلت قضية القرى السبع جرحًا عميقًا لأبنائها الذين صاروا فعليًا “مهجّرين” داخل وطنهم، وتعود قضيتهم إلى الواجهة كلّما طُرح ملفّ ترسيم جديد للحدود البرّية بين لبنان وإسرائيل.

فما هي قصة تلك القرى السبع؟ كيف بدأت الحكاية وكيف خسرها لبنان؟ وما الذي تقوله المعلومات عن واقعها؟

القرى السبع.. حقائق تاريخية

القرى السبع التي كانت لبنانية ثم أُلحقت بفلسطين هي: صَلْحة، آبل القمح، المالكية، النبي يوشع، قدَس (قادِش)، هونين، تربيخا.

كان جميع أبناء القرى السبع من المسلمين الشيعة، باستثناء آبل القمح التي توزّع سكّانها بين مسلمين شيعة ومسيحيين. وبالنِّسَب الديموغرافية لمجموع القرى السبع بين عامَي 1944 و1945، بلغت نسبة المسلمين نحو 66.7%، فيما بلغت نسبة المسيحيين نحو 33.3% (1).

لكل قريةٍ قصتها وتاريخها، أمّا احتلالها من قِبل إسرائيل عام 1948 فحصل على مراحل.

1- صلحة

  • الموقع والارتفاع: شمال صفد بـ12 كلم، وترتفع نحو 675 مترًا عن سطح البحر.

  • السكان والمنازل: 742 نسمة عام 1931؛ 1000 عام 1945؛ 1241 عام 1948. قُدِّر عدد منازلها عام 1948 بنحو 237 منزلًا. من عائلاتها: عمر، شبلي، قصير، مرعي، فياض، قاسم، قرنبش.

  • الاحتلال: 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948، على يد اللواء السابع للهاغاناه.

  • الانتهاكات: شهدت مجزرة في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948 أسفرت عن مقتل 105 أشخاص.

  • المستوطنات اللاحقة: “يرؤون” عام 1949 على أراضيها؛ “أفيفيم” عام 1958 شمال شرقي القرية (2).

  • ملاحظات: تُسمّى أيضًا “الصالحة” وتُعدّ من القرى الحدودية بين لبنان وفلسطين.

2- آبل القمح

  • الموقع والارتفاع: شرق صفد بـ32 كلم تقريبًا، وعلى مسافة كيلومتر واحد من الحدود اللبنانية الفلسطينية، وترتفع 390 مترًا.

  • السكان والمنازل: 58 منزلًا عام 1931 ثم 97 عام 1945؛ 229 نسمة عام 1931؛ 330 عام 1945؛ 383 عام 1948. من عائلاتها: قدّورة، الصفدي، الخطيب.

  • التسمية: نسبةً إلى جودة القمح، وتُعرف أيضًا بـ”آبل المياه” لغزارة المياه في سهولها.

  • الاحتلال: 10 مايو/ أيار 1948 على يد كتيبة من “البلماخ” بقيادة إيغال ألون.

  • المستوطنات اللاحقة: ترد في بعض المراجع صلة بأراضٍ أُلحقت لاحقًا بمستوطنة “يرؤون” وتوجد اختلافات توثيقية في التسمية وتحديد الجزء المقتطع.

3- المالكية

  • الموقع والارتفاع: شمال صفد بـ15.5 كلم، وترتفع نحو 675 مترًا.

  • السكان والمنازل: 254 نسمة و48 منزلًا عام 1931؛ 418 نسمة و76 منزلًا عام 1948. من عائلاتها: بزي، عيّاد، الإبراهيم.

  • الاحتلال: 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948 مع صَلْحة على يد اللواء السابع للهاغاناه.

  • المستوطنات اللاحقة: “مالكياه”.

  • الوقائع العسكرية: شهدت “معركة المالكية” التي خاضها الجيش اللبناني إلى جانب جيش الإنقاذ العربي. بدأت منذ مايو/ أيار 1948 واستمرّت أكثر من خمسة أشهر. شارك المناضل اللبناني معروف سعد، واستُشهد الضابط اللبناني محمد زغيب (تُسمّى قاعدة في صيدا باسمه). سقطت بيد “البلماخ” منتصف مايو 1948؛ في 15 مايو نُفّذ إنزال مظلّي فاستعادها الجيش اللبناني؛ في 20 مايو خدعة هاغاناه بقافلة تظاهرت كتعزيزات لبنانية؛ في 29 مايو استعادت الهاغاناه القرية؛ في 7 يونيو/ حزيران استردّها الجيش اللبناني وحافظ عليها طوال الصيف؛ أواخر أكتوبر سقطت مجددًا (3).

4- النبي يوشع

  • الموقع والارتفاع: شمال شرق صفد بـ17 كلم، وارتفاع 375 مترًا.

  • السكان والمنازل: 52 نسمة و12 منزلًا عام 1931؛ 70 نسمة عام 1945؛ 81 نسمة و18 منزلًا عام 1948.

  • الدلالة الدينية: تُنسب إلى مقام يُقال إنه قبر النبي يوشع بن نون.

  • العمليات العسكرية: محاولات صهيونية للسيطرة في أبريل/ نيسان 1948 شملت مبنى شرطة بريطاني؛ في 16 مايو/ أيار 1948 احتلّتها الهاغاناه بعد اشتباكات مع وحدات من جيش الإنقاذ العربي وانسحاب الأخير تحت قصف جوي وتقدّم بري.

  • المستوطنات اللاحقة: “حتسودِت يوشع”.

5- قدَس (قادِش)

  • الموقع والارتفاع: شمال صفد، بارتفاع قرابة 475 مترًا.

  • الجذر التاريخي: على بقعتها البلدة الكنعانية “قادَش” (Cadas)، ومعنى “قادِش”: مُقدَّس/حَرَم؛ وللاسم نظائر في فلسطين وسوريا وسيناء.

  • السكان والمنازل: 272 نسمة و56 منزلًا عام 1931؛ 390 نسمة عام 1945 (بمن فيهم سكان “بليدة” شمال قدَس)؛ 452 نسمة عام 1948. من عائلاتها: رزق، سليمان، المشورِب، الريّس، منصور، دعيبس (4).

  • العمليات العسكرية: بعد سقوط صفد في 11 مايو/ أيار 1948، تقدّمت “البلماخ” ليل 14–15 مايو نحو قدَس والمالكية؛ هجوم لبناني مضادّ أجبر القوة على الانسحاب. بقي الجيش اللبناني أسبوعين؛ في 28–29 مايو نُفّذت خدعة رتل مُدرّع تظاهر بأنه تعزيزات لبنانية عبر الداخل اللبناني، فسقطت قدَس والمالكية. أوائل يونيو/ حزيران استعادها الجيش اللبناني، ثم سقطت مجددًا أواخر أكتوبر.

  • المستوطنات اللاحقة: “يفتاح”.

6- هونين

  • الموقع والآثار: شمال صفد بـ28 كلم، تضم قلعةً صليبية وخندقًا محفورًا في الصخر.

  • السكان والمنازل: 1075 نسمة و233 منزلًا عام 1931؛ 1620 نسمة عام 1945؛ 1879 نسمة عام 1948. من عائلاتها: شَحّور، سلمان، معتوق، بربيش.

  • الاحتلال: 3 مايو/ أيار 1948 على يد “البلماخ”.

  • المستوطنات اللاحقة: “مرغليوت” (1951).

7- تربيخا

  • الموقع: من قرى قضاء عكّا، شمال شرق المدينة وتبعد عنها 27 كلم.

  • السكان والمنازل: 674 نسمة و149 بيتًا عام 1931؛ نحو 1000 نسمة عام 1945.

  • الاحتلال: 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1948 على يد “الهاغاناه”.

  • المستوطنات اللاحقة: “شومرا”.

إخراج قيد لبناني يؤكد بأن أهالي آبل القمح قد تم إدراجهم في إحصاء سنة 1931

تبدل الهوية.. البداية من “سايكس بيكو”

عام 1914، تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان لبنان يرزح تحت سلطة الدولة العثمانية التركية. في ذلك الوقت انخرطت تركيا في الحرب إلى جانب ألمانيا ضدّ دولٍ أخرى كبريطانيا وفرنسا، اللتين بادرتا إلى حماية مصالحهما بعد تهاوي الدولة العثمانية عبر مشروعٍ لتقسيم الأراضي التي كانت تسيطر عليها.

بين عامَي 1915 و1916 برزت فكرة التقسيم بوضوح، ودارت مفاوضاتٌ فرنسية-بريطانية تُوّجت بما يُعرف بـ”اتفاقية سايكس بيكو”، نسبةً إلى المفاوضَين البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا بيكو.

كان سايكس مستشارًا سياسيًا ودبلوماسيًا ومتخصّصًا في شؤون الشرق الأوسط ومناطق سوريا إبان الحرب العالمية الأولى. وتوفي عام 1919 عن 39 عامًا إثر إصابته بجائحة الإنفلونزا الإسبانية. (5) أما بيكو فكان دبلوماسيًا فرنسيًا وقنصلًا لبلاده في بيروت، وتوفي عام 1951.

مثّلت الاتفاقية تفاهمًا “سريًا” بين فرنسا وبريطانيا بتصديقٍ من روسيا آنذاك، وتوصّل الطرفان إليها بين نوفمبر/ تشرين الثاني 1915 و16 مايو/ أيار 1916. وبموجبها، نالت فرنسا جزءًا كبيرًا من سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق، فيما خضعت لهيمنة بريطانيا مناطق جنوب العراق ووسطه بما فيها بغداد والبصرة، على أن توضع فلسطين تحت إدارةٍ دوليةٍ محايدة تتفق عليها بريطانيا وفرنسا وروسيا. كما منحت الاتفاقية بريطانيا ميناءَي حيفا وعكّا، مع إتاحة حرية استخدام ميناء حيفا لفرنسا (6).

وخلال المفاوضات اعتبرت فرنسا سوريا وحدةً سياسيةً وجغرافيةً متكاملة، فيما لُوحظ تجاهلُ ذكر لبنان ككيانٍ مستقلّ عن سوريا.

خلافٌ على حدود لبنان وفلسطين

كان الكيان الإداري القائم آنذاك هو “متصرفية جبل لبنان”. ومن هذا المنطلق أصرّ فرنسوا بيكو على إلحاق بيروت وطرابلس والبقاع بالمتصرفية، انطلاقًا من قناعةٍ بأن “لبنان الجبل” غير قابلٍ للحياة منفردًا.

لم يقدّم الفرنسيون تصورًا واضحًا لعلاقة “لبنان الموسّع” بسوريا، فجاءت الخريطة الملحقة باتفاقية “سايكس بيكو” بلا تمييزٍ بين الكيانين، ولُوِّن لبنان وسوريا معًا باللون الأزرق.

في المقابل، قبلت بريطانيا ببقاء نظام المتصرفية ضمن النفوذ الفرنسي، لكنها رفضت توسيعه، معتبرةً طرابلس وبيروت وصيدا منافذَ البحر الطبيعية للدولة العربية المزمع إنشاؤها.

على الضفة الفرنسية، كانت الإرادة تتجه نحو إنشاء “لبنان الكبير” ضمن رؤيةٍ تعتبر “سوريا الطبيعية” بأكملها، أو على الأقل المنطقة الزرقاء، مجال نفوذٍ فرنسيًّا، خشيةَ انحصار النفوذ في جبل لبنان وحده.

وفي الداخل اللبناني، طرحت القوى السياسية مطالبَ بتوسيع الحدود، بينما شهدت فرنسا نقاشًا بين طرحٍ كونفدرالي يضمّ لبنان إلى “سوريا الطبيعية”، وآخر يدعو إلى توسيع لبنان إلى حدوده التاريخية والجغرافية وإسباغ كيانٍ مستقلّ عليه تحت الانتداب الفرنسي.

في المقابل دفعت السياسة البريطانية نحو توسيع حدود فلسطين قدر الممكن شمالًا حتى مصبّ نهر الليطاني. وسعت الحركة الصهيونية، الساعية إلى إقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، إلى السيطرة على موارد المياه في جنوب لبنان، خصوصًا أنهر الليطاني والحاصباني والوزّاني.

وفي مذكّراته ركّز تيودور هرتزل على جنوب لبنان وجبل الشيخ لأهميتهما الاقتصادية والعسكرية ولأنهما “خزان المياه” الذي رُئي شرطًا لتطوّر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين. (7)

مثّلت قضية القرى السبع جرحًا عميقًا لأبنائها الذين صاروا فعليًا “مهجّرين” داخل وطنهم، وتعود قضيتهم إلى الواجهة كلّما طُرح ملفّ ترسيم جديد للحدود البرّية بين لبنان وإسرائيل.

على مستوى الخرائط، حددت “سايكس بيكو” الخط الجنوبي لمنطقة النفوذ الفرنسي، من نقطةٍ قرب جنوب صور حتى بحيرة طبريا. غير أن الحركة الصهيونية اعترضت على الحدود الشمالية لفلسطين كما رُسمت في الاتفاقية، لتأتي لاحقًا خطوةٌ مفصلية مع “وعد بلفور” في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917، الذي أعلن دعم بريطانيا إنشاء وطنٍ قومي للشعب اليهودي في فلسطين.

تلا ذلك تعديلٌ لافت: نُقلت النقطة الشمالية الشرقية من بحيرة طبريا إلى بحيرة الحولة بضغطٍ صهيوني، ما أثار استياء فرنسا. وجد رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج نفسه بين تصلّب المطالب الصهيونية وتمسّك باريس بالخطّ المتفق عليه في “سايكس بيكو”، فاستند إلى العبارة التوراتية التي تحدّد فلسطين “من دان إلى بئر السبع”، أي كامل “أرض إسرائيل” من الشمال إلى الجنوب.

طالبت الحركة الصهيونية بأن تبدأ حدود فلسطين شمالًا من نقطةٍ على ساحل المتوسط قرب صيدا، وعدّت جبل الشيخ (حرمون) “أب المياه الحقيقي لفلسطين”. كما دعت إلى اتفاقٍ دولي يحمي “حقوق المياه” للسكان جنوب الليطاني، أي لليهود ضمن تصوّر “فلسطين الكبرى”. وبعد انسحاب العثمانيين من لبنان وسوريا، رفع رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو مذكرةً إلى نظيره البريطاني لويد جورج في مارس/ آذار 1919 يتمسّك فيها بخط “سايكس بيكو”.

هكذا، بقي الخلاف قائمًا: فرنسا تدفع باتجاه توسيع لبنان جنوبًا، وبريطانيا تساند توسيع فلسطين شمالًا.  وفي سبتمبر/ أيلول 1919 طرحت لندن تسوية عُرِفت بـ”اقتراح دوفيل”، وقضت بسحب قواتها لصالح فرنسا، مع تثبيتٍ لحدود فلسطين على خط نهر القاسمية في جنوب لبنان، من الساحل حتى بانياس شرقًا.

بالتوازي، كثّفت الحركة الصهيونية دعايتها لتوسيع الحدود عبر نشرة “فلسطين، لسان حال اللجنة الفلسطينية-البريطانية”. ولمّا تعذّر الاتفاق، قدّم البريطانيون في ديسمبر/ كانون الأول 1919 حلًّا وسطًا: بدل ضمّ وادي الليطاني كاملًا، تمتد الحدود من نقطة البدء الحالية لخط “سايكس بيكو” شمال عكا باتجاهٍ شمالي شرقي، فتضمّ إلى فلسطين انحناءة الليطاني نفسها وجزءًا صغيرًا شمالها، ثم تمضي شرقًا حتى السفوح الجنوبية لجبل الشيخ جنوب راشيا.

رغم ذلك، تمسّكت فرنسا بموقفها، ولم تتراجع سوى بإقرار حصةٍ لفلسطين من مياه جبل حرمون بنسبة 33%. ومال الرئيس الأميركي وودرو ولسون إلى موقف الحركة الصهيونية، محذّرًا لندن من أنّ الأخذ بالمطلب الفرنسي وفق “سايكس بيكو” سيشكّل “ضربةً قاضية للوطن القومي”، ومؤكّدًا أن نجاح المشروع الصهيوني يتطلّب توسيع الحدود شمالًا لتشمل الليطاني ومنابع حرمون. كما خاطبت الحركةُ لويد جورج متمسّكةً بمعظم الشريط الحدودي الشمالي المقترح لفلسطين، بما يشمل مفارق مياه الليطاني عند جبل الشيخ وامتدادًا شرقًا إلى سهول الجولان وحوران، على أساس أن تنفيذ “وعد بلفور” يقتضي التسليم بهذه الحدود.

في النهاية، رفضت فرنسا “اقتراح دوفيل” وأبقت الليطاني داخل الأراضي اللبنانية، وثبّتت موقفها بصيغةٍ تُجمِل المسار: “تتبع الحدود الجنوبية لسوريا خط سايكس بيكو، مع تعديلٍ طفيفٍ لحدود فلسطين يتوافق مع تعريف لويد جورج القائل إن أرض إسرائيل تمتدّ من دان إلى بئر السبع”.

رأس الناقورة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية… خطٌّ رسم خرائط وبدّل مصائر – غيتي

القرى السبع تخسر هويتها

خلال مؤتمر سان ريمو الذي عُقد في أبريل/ نيسان 1920، أُقرّ الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والبريطاني على فلسطين والعراق، من دون أن يُحسم ملفّ الحدود نهائيًا.

وقبيل انعقاد المؤتمر، صعّدت الحركة الصهيونية ضغوطها لتثبيت حدود فلسطين على نحوٍ لا يُخرج نهر الليطاني منها، فأرسل حاييم وايزمان رسائل متعدّدة إلى مسؤولين بريطانيين وإيطاليين تؤكّد هذا المطلب.

وفي يونيو/ حزيران 1920، اقترحت فرنسا تسويةً تقضي بانطلاق خطّ الحدود من رأس الناقورة على الساحل، أي على بضعة أميال شمال خط “سايكس بيكو”، ثم يتجه شرقًا، ويعلو شمالًا على هيئة إصبع ليُدخِل ضمن فلسطين المستوطنةَ اليهودية الشمالية في المطلة ووادي الحولة.

اعترضت الحركة الصهيونية، فأطلقت حملة “إنقاذ الليطاني” بين يونيو/ حزيران وديسمبر/ كانون الأول 1920 للضغط باتجاه إبقاء الليطاني داخل ما تعتبره “أرض إسرائيل”. تمسّكت فرنسا برفضها، فيما استمرّ لويد جورج يرفع شعار “من دان إلى بئر السبع”.

وفي 23 ديسمبر/ كانون الأول 1920، وُقّع اتفاقٌ فرنسي–بريطاني ثبّت نسبيًا الرؤية الفرنسية. وفي ما يخصّ المياه، نصّت مادةٌ محوريةٌ فيه على تعيين خبراء من إدارات سوريا وفلسطين لاستكشاف إمكانات ريّ الأراضي وإنتاج الطاقة الكهربائية من مياه نهر الأردن العلوي ونهر اليرموك وروافدهما، خلال ستة أشهر من تاريخ التوقيع، وذلك بعد إشباع حاجات الأراضي الخاضعة للانتداب الفرنسي.

لم يأتِ الاتفاق على ذكر الليطاني، ما أثار حفيظة الحركة الصهيونية التي عقدت مؤتمرًا عامًا في باريس تحفظت فيه على الحدود الشمالية لفلسطين.

ولتنفيذ الاتفاق، بدأت لجنة ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين عملها في يونيو/ حزيران 1921، برئاسة الكولونيل نيوكومب عن الجانب البريطاني والكولونيل بوليه عن الجانب الفرنسي.

آنذاك كان لبنان قد أُعلن “دولة لبنان الكبير” في أوائل سبتمبر/ أيلول 1920. وأفضت أعمال اللجنة إلى تقريرٍ ختامي يثبت الحدود بين لبنان وسوريا من جهة، وفلسطين من جهة أخرى، من البحر حتى وادي اليرموك السفلي.

دخل الاتفاق حيّز النفاذ بعد التصديق النهائي من الطرفين اعتبارًا من 7 مارس/ آذار 1923، من دون أي نصّ يتيح لغير اللبنانيين، أو للسلطات الفرنسية في لبنان، استغلال مياه الليطاني. وفي عام 1934 صادقت عصبة الأمم على الاتفاق، فبات مكرّسًا في القانون الدولي.

واصلت الحركة الصهيونية مساعيها للاستفادة من مياه الليطاني، وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 طُرحت مشاريع عدّة لضمّ مياهه ضمن ما سمّاه ديفيد بن غوريون، أول رئيسٍ لوزراء إسرائيل، “معركة المياه” بين اليهود والعرب.
 

وعلى الأرض، اتخذت الحدود بين إسرائيل ولبنان شكلها إبّان اتفاق 1923 الذي أبرمه نيوكومب وبوليه، وقد ترتّب عليه اقتطاع قرًى لبنانية في الجليل الأعلى وضمّها إلى فلسطين؛ وهي القرى التي تُعرف اليوم بـ”القرى السبع” التي انتقلت من لبنان إلى فلسطين، ثم خضعت للحكم الإسرائيلي عام 1948.

لبنانيون “لاجئون” في بلدهم

الاقتطاع الذي طال القرى اللبنانية السبع جعلها إداريًا ضمن فلسطين، أي إنّ قاطنيها لم يعودوا محسوبين جغرافيًا على لبنان، رغم أنهم لبنانيون ويحملون الجنسية اللبنانية.

يؤكّد كتاب “القرى السبع اللبنانية المحتلة – دراسة قانونية واجتماعية” لبنانيةَ أهالي هذه القرى؛ إذ حازوا الهوية اللبنانية بموجب إحصاء عام 1921. وبعده صدر قرار المفوض السامي الفرنسي بتاريخ 10 مارس/ آذار 1922 برقم 1307، ونصّت مادته الثامنة والعشرون على اعتبار كلّ من قُيّد بهذه الصفة في سجلات الإحصاء لبنانيًا.

وفي حديثٍ إلى موقع “التلفزيون العربي”، يقول محمد نمر محمود، رئيس جمعية رابطة أهالي بلدة صلحا الخيرية، وهو من أبناء صلحا ضمن القرى السبع، إن لدى الأهالي وثائق رسمية وسندات ملكية من العهد العثماني تثبت لبنانيتهم.

يلفت محمود (73 عامًا) إلى أن الوثائق تُظهر تبعية السكان إداريًا لقضاء مرجعيون مع عبارة “ولاية بيروت”، أي ضمن لبنان، لا ضمن “ولاية دمشق” في سوريا ولا تابعين لعكّا في فلسطين.

كما يوضح أن سكان القرى السبع، وهم من المذهب الشيعي، بقوا في فلسطين حتى عام 1948 حين هجّرتهم إسرائيل إلى لبنان، فتوزّعوا بين جنوبه وبيروت واستقرّوا في مناطق مختلفة.

ويشير إلى نقطةٍ محورية: اللبنانيون الذين نزحوا من القرى السبع لم يُعامَلوا كلبنانيين، بل صُنّفوا “لاجئين فلسطينيين”، قائلًا: “بتنا لاجئين في بلدنا، وقد عوملنا كذلك منذ 1948”. ويضيف:

“عام 1994 صدر مرسوم تجنيس في لبنان برقم 5274، فحصل كثيرون من أبناء القرى السبع على الجنسية اللبنانية، لكننا في الأصل لبنانيون وجنسيتنا الأساسية مثبتة بوثائقنا الرسمية”.

ويذكر محمود أن التجنيس شمل أشخاصًا واستثنى آخرين لأسبابٍ مختلفة، موضحًا:

“هناك عائلات جرى تجنيس بعض أفرادها وبقي آخرون يُعدّون فلسطينيين لتعذّر إنجاز معاملات التجنيس، كوجودهم خارج لبنان أو عدم القدرة على تسديد تكاليف المعاملات. وكان يُفترض بالدولة اللبنانية تسهيل استرداد هؤلاء لجنسيتهم اللبنانية، لكن ذلك لم يحصل”.

ويخلص إلى أن أهالي القرى السبع في لبنان “عاشوا مظلومية اللاجئين” سنواتٍ طويلة، وأن من لم يُجنَّس ما يزال يُعامَل لاجئًا حتى الآن.

على امتداد قرنٍ من الزمن، ظلّت القرى السبع شاهدًا على تقاطع الخرائط مع حيوات الناس: حدودٌ وُضِعت بالقلم ثم ثُبّتت بالقوة، وتركت وراءها لبنانيين صاروا فعليًا “مهجّرين” داخل وطنهم.
اليوم، ومع كل نقاشٍ حول ترسيمٍ جديد للحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، تعود القضية بما تحمله من وثائق ملكية وسجلات نفوس وذاكرة جمعية تطالب بالاعتراف والإنصاف.
وبين التاريخ والقانون والسياسة، تبقى الحقيقة الأوضح أن مصائر الأفراد لا ينبغي أن تُختزل في خطٍ مرسوم على الخريطة، بل في حقهم بثبوت هويتهم وملكية أرضهم وكرامتهم.

المراجع:

(1): كتاب “القرى السبع اللبنانية المحتلة.. دراسة قانونية واجتماعية

(2): موسوعة القرى الفلسطينية، القرى السبع

(3): كتاب “لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف”، فهد حجازي، 2013

(4): كتاب “بلادنا فلسطين والفردوس المفقود”، مصطفى مراد الدباغ، 2013

(5): بحث عن إتفاقية سايكس بيكو، جامعة زيان عاشور – الجفلة – الجزائر، السنة الجامعية 2021/2022

(6): كتاب الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس بيكو – قراءة في الخرائط، بسام النعماني، 2016

(7): كتاب لبنان، المياه والحدود، عصام خليفة، 2012

(8): مقابلة مع محمد نمر محمود – جمعية أبناء القرى السبع – موقع التلفزيون العربي          

hgrvn hgsfu lk shd;s-fd;, Ygn 1948: ;dt osvih gfkhk?

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يُسمع، ونفس لا تشبع