وليد دقة “أبو ميلاد”.. قصة أسير فلسطيني شهيد حوّل السجن إلى استثناء

مثّلت قضية الشهيد الأسير وليد دقّة، الذي أمضى 38 عامًا في السجون الإسرائيلية، حالةً استثنائيةً على أكثر من صعيد. فمنذ دخوله السجن، ومن خلال تجربته الطويلة والمريرة داخل جدرانه، تحوّل إلى ما يشبه “جنرال الصمود“، ورسم وطنًا كبيرًا يتحدّى السجّان وجبروته داخل السجن وخارجه. ولم يكن دقّة مجرد رقم في سجون الاحتلال، بل صار رمزًا سرد تفاصيل من المعاناة الطويلة لشعبه.
ويعرض فيلم وثائقيّ، أنتجته شبكة التلفزيون العربي، تحت عنوان “أبو ميلاد”، سيرة الأسير الشهيد وليد دقّة، مستندًا إلى شهادات حيّة لأشخاص عايشوا تجربته عن قرب، ورافقوه في سنوات أسره الطويلة حتى لحظة استشهاده داخل السجن.
استند الفيلم إلى أرشيف صوتيّ نادر بصوته، جرى تهريبه من داخل السجن، ليمنح الرواية بعدًا إنسانيًا عميقًا، إلى جانب مقابلات حصرية مع شخصيات بارزة، من بينها الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ونائل البرغوثي، أقدم الأسرى الفلسطينيين، وزكريا الزبيدي وغيرهم. كما حضرت رفيقة دربه سناء سلامة، التي روت تفاصيل كثيرة من حياته، وكشفت ملامح تجربتهما الإنسانية والاستثنائية.
سناء سلامة زوجة الأسير الشهيد وليد دقة وابنتهما ميلاد – غيتي
وليد دقّة.. بداية حكاية “جنرال الصمود”
في تسجيل صوتي هُرّب من داخل سجنه، قبل استشهاده في سجن جلبوع عام 2024، يقول وليد دقة:
“الذاكرة انتقائية، والنسيان نعمة. وحين تعجز عن النسيان، يأتي دور خطّ الدفاع الثاني، وهو انتقائية الذاكرة، كي تحافظ على توازنك. فالاعتقال صدمةٌ للعقل والجسد. وقد تستغربين بِمَ انشغل عقلي في تلك اللحظة وأنا مقيّد إلى الخلف، ملقىً على الأرض؛ إذ اعتُقلت في مكان عملي، وكانت والدتي قد أعدّت لي رغيفين، أحدهما بالزيت والزعتر، والآخر باللبنة. وقبل دقائق من الاعتقال، أخرجتُ من حقيبتي عروسة اللبنة، وبعد أن صنعتُ لنفسي فنجان نسكافيه، قضمتُ منها قضمةً واحدة، وقبل أن أتمكّن من بلعها، كنتُ ملقىً على الأرض مقيّدًا.
في تلك اللحظة، أولى عقلي المشهد كاملًا، لكن العقل، في لحظة الصدمة تحديدًا، يكون مخادعًا؛ إذ لخص المشهد كلّه بفقداني رغيف اللبنة، الذي ظلّ مذاقه يربطني بوالدتي لا بالاعتقال. فالاعتقال، وإن بدا في الزمن العادي لحظة، إلا أنه في زمن السجون لحظةٌ امتدّت حتى الآن ثلاثةً وثلاثين عامًا. أما اللبنة، التي بقي مذاقها حيًّا طوال هذه السنين، فكانت المعنى المجازي لدفء الأم، والأسرة، والبيت الذي غادرته ولم أتمكّن من العودة إليه”.
في الفيلم الوثائقي، تروي سناء سلامة، زوجة الأسير الشهيد وليد دقّة، أنها لم تكن قادرةً على سماع صوته في البداية، ولا سيما تسجيلاته المُهرّبة التي يتحدّث فيها عن ابنته “ميلاد”، قبل أن تتغلّب على ذلك لاحقًا. وقد وصفت هذه التجربة بأنها شديدة القسوة والصعوبة عليها، مؤكدةً في الوقت ذاته عزمها على الحفاظ على هذا الإرث الإنساني الكبير.
وتقول زوجة الأسير الشهيد وليد دقّة إن الاستماع إليه والحديث معه كانا يبعثان شعورًا مدهشًا بأنه خارج جدران السجن، لا داخله؛ إذ ظلّ مواكبًا للحياة خارج الأسر على نحو لافت، مهتمًا بأدقّ تفاصيلها، قادرًا على تطويع الأشياء لفكره ولغته، وتحويلها إلى إبداع متدفّق في الكتابة. وتضيف أن “وليد كان من القلائل الذين يحوّلون كل موقفٍ إنساني إلى فعلٍ إبداعيّ يسمو به على الورق“.
وفي تسجيل آخر عن ابنته “ميلاد“، يقول وليد دقّة:
“كيفها الزاكية؟ لم أكتب على جدران السجن طوال حياتي، لكنني في الزنزانة وجدتني أرسم طفلةً بشَعرَتين على مرجوحة، وإلى جانبها كتبت: ميلاد مرّت من هنا. وقد مرّت فعلًا، حين أيقظتني من نومي ونادت: يا حبيبي.. يابا، يابا يا حبيبي. هزّت ذراعي تمامًا، شعرت بها، وأفقت على صوتها. كنتُ متعبًا، وقد استفقتُ من نومٍ عميق. حاولتُ العودة إلى النوم بعد أن مسحتُ دموعي، لكن عبثًا؛ فبدأتُ أكرّر في داخلي، علّني أنام على موسيقى هذه الجملة الرائعة: يابا يا ميلاد، يا حبيبتي يابا.
وتخيّلتُ نفسي أقول لكِ وأنا أضحك، سناء: البنت غلبتنا، وكل يوم والثاني عاملة إلنا مشاكل، برأيي استري عليها وجوّزيها بكّير. كنتُ أقف في منتصف الزنزانة، وفي منتصف الليل أيضًا، أضحك مع نفسي. خشيتُ أن يمرّ أحدهم فيظنّ أنني فقدتُ توازني النفسي، فيطلب نقلي إلى مستشفى الأمراض العقلية. ومع ذلك، كنتُ سعيدًا بهذا الجنون، سعيدًا به؛ لأنني لم أكن وحيدًا ولا معزولًا، بل كنتم معي.. كنتِ معي يا سناء، وأنتِ يا ميلاد”.
وتصف سناء سلامة زوجها، الأسير الشهيد وليد دقّة، بأنه “ذاكرة المكان، ومعنى الوفاء والإخلاص“، مؤكدةً أن كلمة “وفاء” وُلدت لتصف وليد، رغم قسوة المفارقة بين وجوده في السجن ووجودها خارجه؛ إذ تقول إنه كان وفيًّا لكل ثانيةٍ عاشتها خارجه خلال زياراته. وتضيف أنه كان “كتلة من الوفاء والأدب، يتمتّع بمنظومة قيميّة لم ترَ أرقى منها“، مؤكدةً أنه كان استثناءً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد ترك غيابُه فراغًا كبيرًا لا يُملأ.
باقة الغربية.. بداية العمل النضالي لوليد دقّة
ومن منزل عائلة الشهيد وليد دقّة في باقة الغربية، داخل فلسطين المحتلة عام 1948، يروي شقيقه أسعد دقّة محطات من سيرته، موضحًا أن وليد وُلد في الثامن عشر من يوليو/ تموز عام 1961، وتلقّى تعليمه الابتدائي في باقة الغربية، قبل أن ينتقل إلى دراسة المرحلة الإعدادية في المدرسة الزراعية في ياما. ويضيف أن وليد التحق بالعمل النضالي عام 1986، ليُحكم عليه لاحقًا بالسجن المؤبّد، بعد اتهامه بخطف جندي إسرائيلي برفقة أربعة آخرين من أبناء باقة الغربية.
بدوره، يقول شقيقه حسني دقّة إن ملامح وعي وليد بدأت تتشكّل مبكرًا، منذ عام 1981، حين أخذ يطرح الأسئلة، ولا سيما في ظل وجود الضفة الغربية تحت الاحتلال. وبعد استكماله المرحلة الثانوية، اتجه إلى العمل، وأقام علاقات مع شبّان من قطاع غزة كانوا يعملون في مجال البناء، وكان يطمح من خلال ذلك إلى توفير المال لمواصلة دراسته والتعلّم.
ويروي أن وليد كان شديد التأثّر بما يراه من إذلال يتعرّض له العامل العربي داخل أراضي عام 1948، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في شخصيته ووعيه. ويضيف أنه بفضل إتقانه اللغة العبرية، كان يعترض كلّما صادف مشهدًا من هذا النوع. كما يشير إلى أن مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان شكّلت محطةً مفصليةً كان لها وقعٌ بالغ على نفسيته.
وقد اعتُقل الأسير وليد دقّة عام 1986، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبّد لمدة تسعةٍ وتسعين عامًا. ولاحقًا، جرى تحديد المؤبّد بسبعةٍ وثلاثين عامًا، ما جعل موعد الإفراج المفترض في مارس/ آذار 2023، غير أن سلطات الاحتلال أضافت عامين إلى حكمه بحجة تهريب هواتف فأصبح موعد الإفراج الجديد في مارس/ آذار 2025.
وفي تسجيلٍ آخر، يقول وليد دقّة:
“أعتقد أن الشوق والحنين هما القاسم المشترك الذي يجمع الفلسطينيين جميعًا، بل أكاد أقول إن الشوق إلى الأمكنة بات مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الهوية الفلسطينية. فاللاجئ يشتاق إلى بلده ويتوق إلى العودة، والأسير كذلك يحنّ إلى بيته وأهله وحارته، غير أننا في الحقيقة نشتاق جميعًا إلى الذاكرة التي تحملها هذه الأمكنة، وأن عودتنا إليها ليست سوى عودةٍ إلى الذاكرة ذاتها.
وعلى الصعيد الشخصي والأسري، حيث الحقائق الأولى والمكوّنات الأساسية لحياتي، أحرص على البقاء على تواصل مع الأطفال واليافعين من أبناء إخوتي وأخواتي، أستمتع بكل لحظةٍ معهم؛ أراسلهم، وأكتب لهم، ويكتبون لي، أناقشهم في همومهم وقضايا جيلهم. وربما كان هذا التواصل أحد الدوافع التي قادتني إلى كتابة قصة سرّ الزيت الموجّهة إلى جيل اليافعين”.
وليد دقّة ونائل البرغوثي أقدم أسير فلسطيني
في شهادته عن الأسير الشهيد وليد دقّة، يستعيد نائل البرغوثي، الذي يُوصف بـ”عميد الأسرى” بعد أن أمضى أكثر من 45 عامًا في سجون الاحتلال، تفاصيل علاقته بوليد، والسنوات الطويلة التي جمعتهما خلف أسوار السجون، حيث تشكّلت صداقة الأسر، وتراكمت التجربة، وتقاطعت حكايات الصمود.
يقول البرغوثي إن “ألقابًا من قبيل جنرالات الصبر والعطاء والصمود تبقى كلماتٍ فارغة لا تعني شيئًا“، مؤكدًا أنه هو ووليد، وكثيرًا من الأسرى، يرفضون هذه التسميات، لأنهم يرون فيها “ذرًّا للرماد في العيون، وكأنها محاولة لتجاوز مرارة الأسر والتخفيف من قسوته بالألقاب“.
ويضيف أن “الألقاب ليست سوى إرضاءٍ لغرور من يعتقد أن اللقب يمنح المعنى لحياته، وإلقاءً للمسؤولية عن كاهل من تركونا وحدنا طوال هذه السنوات الطويلة”.
ويؤكد البرغوثي في حديثه قائلًا:
“كنّا ولا نزال نؤمن بأن الأسير لا ينبغي أن يبقى سنواتٍ طويلة في الأسر؛ فطريق النضال طويل، ويجب أن تكون هناك نماذج يُحتذى بها في تحرير الأسرى، لأجل الأجيال التي ستكمل المسيرة، لا أن نتحوّل إلى عبرة تُستخدم لإحباط الجيل الذي خلفنا وتثبيطه. نحن نتفاخر بصمودنا، لكننا لا نتفاخر بسنوات الأسر”.
ويؤكد نائل البرغوثي أن “سنوات الأسر طويلة ومؤلمة”، لكنه يضيف أن “من يقتنع بمشروع التحرير، وأن هناك قضية عادلة هي قضية فلسطين، لا يهمه الأسر ولا حتى الشهادة“.
ويصف البرغوثي رفيقه وليد دقّة بأنه “يمتلك رؤية واضحة في النضال الوطني، حيث كان يجمع المشترك بين التنظيمات السياسية الفلسطينية”. ويقول إنه التقى به لأول مرة في يوليو/ تموز عام 1997، وشرع الاثنان في مناقشات سياسية وثقافية، لتتطور العلاقة بينهما وتستمر حتى آخر لحظة قابله فيها، قبل نحو شهر من استشهاده.
ويضيف أن صورة وليد دقّة أمامه كانت “كزميل وصديق ومناضل وطني، وحلقة من حلقات النضال الوطني الفلسطيني التي تربط بين الداخل المحتل، الضفة الغربية، غزة، والشتات الفلسطيني”.
وليد دقة وعلاقته مع “أقرب صديق خارج القضبان”
في رسالةٍ صوتية موجهة إلى الدكتور عزمي بشارة، الكاتب والمفكر والأكاديمي الفلسطيني، يقول وليد دقّة:
“أخي ورفيق الدرب أبو عمر، أأمل أن تكون بألف خير. سأحاول أن أكثف رسالتي، عمومًا لم يكن المرض ضمن الخطة أو البرنامج، ومع ذلك، ما زلت مصممًا على كتابة النهاية. أنا أريد أن أكتب النهاية يا أبو عمر”.
وفي شهادته عن العلاقة مع الأسير الشهيد وليد دقّة، يؤكد الدكتور عزمي بشارة أن الحالة التي عاشها وليد “كانت تحمل في طياتها شعورًا بالانتقام، وكأن الهدف أن لا يخرج من السجن حيًا”. ويضيف أن ما آلمه بشكل خاص هو “الشعور بالعجز، لأنه رغم كل الاتصالات والنضالات، مات وليد في السجن، وهذا ألمني بشكل خاص لأنني أعرف شعوره وما كان يعنيه الأمر”.
ويشير الدكتور عزمي بشارة إلى أن وليد دقّة وصفه في إحدى رسائله بأنه “أقرب صديق خارج القضبان”، وأن هذه العلاقة منحته القدرة على التحرك أكثر نيابةً عنه، باعتباره جزءًا من الحركة الوطنية.
ويضيف أن علاقته مع وليد بدأت في الجزء الثاني من عام 1996، بناءً على طلب وليد وعلاقته وأقاربه في باقة الغربية، واصفًا العائلة بأنها ممتدة وكبيرة، حيث كان قسمٌ كبير منها ناشطًا معه في الحركة الوطنية. ويشير أيضًا إلى أن العائلة عبّرت عن رغبة وليد في لقائه، وذلك تزامن مع بداية زياراته للسجون في تلك المرحلة، حيث أصبح له الحق في هذه الزيارات كنائب منتخب، ويتمتع بالحصانة المتاحة حينها.
ويقول الدكتور عزمي بشارة إنه عند لقائه الأول بوليد داخل السجن لاحظ فورًا أنه “لمّاح وذكي ومثقف”، مشيرًا إلى أنه كان يقرأ بعمق داخل الزنازين، ويتابع كل كتاباته ومواقفه. ويضيف أن العلاقة بينهما تطورت تدريجيًا بعد زيارات مكثفة امتدت على مدار اثني عشر عامًا.
تطورت العلاقة بين وليد دقة وعزمي بشارة بعد زيارات مكثفة امتدت على مدار 12 عامًا – غيتي
ويوضح بشارة أنه كان خلال هذه الزيارات يُتيح له مقابلة مجموعة من السجناء معًا، قبل أن يُمنع لاحقًا من ذلك، ليصبح يلتقي السجناء فرادى فقط. ويروي: “كان وليد يطلب وقتًا معي، وربما على حساب الآخرين الذين قد يشعرون بالانزعاج.. كنت أمضي النهار كاملًا في السجن لأتمكّن من مقابلة مجموعة من السجناء”.
ويشير إلى أن العلاقة مع وليد “وصلت إلى مرحلة تجعلنا ننسى أننا في سجن، والحديث يمتد لكل القضايا والمواضيع السياسية والفكرية. حتى كنا نغفل وجود السجّان واقفًا يستمع أحيانًا، لتصبح العلاقة بين اثنين أحرار يتكلمون”.
قصة حب داخل زنزانة الاحتلال
تروي سناء سلامة تجربتها والعلاقة التي تطوّرت مع وليد دقّة داخل السجن، موضحةً أنها كانت تعمل متطوعة في جمعية “أنصار السجين”، حيث كانت تزور الأسرى بمن فيهم وليد. وتصف تجربتها بأنها نتجت عن “الوعي السياسي المبكر الذي اكتسبته من أسرتها”.
وتضيف أنها كانت تكتب عن الأسرى في تلك المرحلة من خلال زيارتهم مباشرة ونقل أخبارهم، مشيرةً إلى أنه منذ اللقاء الأول مع وليد دقّة “كان لدينا شعور بأن هناك شيء بيننا، لكن لم نتحدث عنه، وما تطوّر بشكل فوري”.
وتشير سناء إلى أن وليد “اعترف بحبه” بعد عامين من الزيارات المتكررة، مؤكدةً أنه “رغم وجوده في السجن، كانت مسألة عقد القران استثنائية.. فمن أول لقاء كانت العلاقة واضحة لي ولوليد”.
وفي رسالة صوتية مهربة من السجن، يقول الشهيد الأسير وليد دقّة:
“على كل الأحوال، وبالإضافة لما ذكرته وعلى المستوى الشخصي كانت للروابط الأسرية دور كبير في تعزيز قدرتي على تحمل عبء سنوات الأسر الطويلة، لا سيما أمي فريدة وزوجتي سناء التي ربطت مصيرها بمصيري، فهذه العاطفة الإنسانية وهذا الحب الكبير الذي أحاطتني به سناء لم يعزز قدرتي على الصمود فحسب، وإنما منحني حبها القدرة على إعادة إنتاج ذاتي كتابيًا وإبداعًا وتواصلًا مع هموم الناس في فلسطين والعالم العربي، من خلال ما وفرته لي من كتب ودوريات ودراسات.
إن أسوأ ما في الزمن داخل الأسر هو دائريته المتكررة والمملة حتى اللزوجة تمامًا كباحة السجن التي ندور فيها حول لا شيء، وسناء جعلته زمني في السجن خطًا مستقيمًا صاعدًا نحو المستقبل الذي نسير إليه، رغم محيطات العنف والكراهية بزورقنا الصغير الذي صنعناه بالنعناع وريحان الحياة، حتى نصل به شاطئ المستقبل ليكون ميلادًا جديدًا”.
وتقول سناء سلامة إن علاقتها بوليد “أولًا وأخيرًا كانت حبًا.. كان هو الإنسان الأحب إلى قلبي، إنسان مرهف الحس، يغمر الإنسان الذي يحبه بمشاعره. كنت دائمًا أشعر بأنني محبوبة جدًا منه”.
عقد قران استثنائي داخل أسوار السجن
ويروي الدكتور عزمي بشارة أنه كان يعرف سناء قبل وليد من خلال نشاطها في جمعية “أنصار السجين”، حيث تعرّف عليها في إطار العمل على قضايا الأسرى والسجناء. ويشير إلى أنه علم بزيارة سناء لوليد ونشوء العلاقة بينهما، حيث تحدّث إليه وليد عدة مرات عن تطور علاقة الحب بينهما من خلال تلك الزيارات.
ويضيف بشارة أن “هذه حالات غير شائعة، لكنها حالات يجب أن نقدرها، فليس كل إنسان قادر على القيام بهذا الدور، لكن كل إنسان يمكن أن يحمل هذه القيم ويُدرك أهمية عدالة قضية فلسطين”. ويؤكد أنه لا يعتقد أن سناء “نادمة على ذلك”، ويقول: “أعرفهم جيدًا، وليد وعائلتهما، وهي شعرت بأن هذا الأمر طبيعي”.
وعقد قران وليد وسناء بشكل استثنائي داخل السجن عام 1999، ويروي بشارة أن بعض الحالات كان يُعهد إليهم بـ”استقبال الخطّاب”، اعتمادًا على علاقة الصداقة التي تجمعهم. ويشير إلى أنه في تلك المرحلة كان النضال من أجل حقوق الأسرى في ذروته، حيث استُغلت مسألة الحكومات والتصويت داخل البرلمان لطرح قضاياهم وتحقيق إنجازات.
روى الشهيد الأسير وليد دقة تفاصيل مهمة من حياته داخل السجن عبر تسجيلات مهربة – غيتي
من جهتها، تتحدث زوجة الأسير الشهيد وليد دقّة عن دور الدكتور عزمي بشارة في مساعدتهم لدى مصلحة السجون الإسرائيلية للموافقة على طلباتهم، لكونه عضوًا في البرلمان، وتذكر أنه أكّد لهم أنهم “سيعملون كل شيء داخل أسوار السجن وتحت الحراسة”.
وتقول إن ما أسعدها حقًا هو الحصول على “جواب إيجابي على كل طلباتنا لعقد القران والخطبة داخل السجن، وأن يتم بالشكل الرائع الذي تم فيه”. وتضيف أن ما أزعجهم هو أن الدكتور بشارة لم يتمكن من حضور عقد القران، لأن مصلحة السجون رفضت ذلك باعتباره عضوًا في البرلمان.
وتروي أن عقد القران تم في سجن عسقلان، في غرفة داخل السجن، بحضور تسعة من أصدقائه من الأسرى الفلسطينيين، بينهم أحمد أبو السكر، أحد أقدم الأسرى حينها قبل إطلاق سراحه، إضافة إلى عدد من أسرته. وتشير إلى أن وليد طلب من مصلحة السجون إزالة صور القادة الإسرائيليين من الغرفة ووضع ورود مكانها. وتصف هذه اللحظة بالاستثنائية، حيث بكى الجميع وتأثروا بالمشهد كاملًا منذ بداية عقد القران وحتى نهايته.
ويصف الدكتور عزمي بشارة عقد القران داخل السجن بأنه لحظة رمزية تمثل “اختراقًا لجدار السجن”، مؤكدًا أنه بالنسبة لهما كان أمرًا بالغ الأهمية. ويضيف أن “حب الحياة ليس مقصورًا على من يتحلّون بالابتعاد عن قيم النضال والوطنية ومقاومة الظلم، فمقاومة الظلم أساسها حب الحياة”.
زكريا الزبيدي وعلاقته بوليد دقة في سجن جلبوع
في تسجيل صوتي، يقول الأسير الشهيد وليد دقّة:
“السجن مكان حقير، إنه فعلاً أسوأ اختراع صنعه الإنسان، لكن الأسوأ والأخطر من السجن كمكان، هو السجن كعقلية أو كثقافة. فهذا الذي بين أكتافنا يمكن أن يتحول بسهولة إلى زنزانة تسجن صاحبها، رغم أن جسده حر طليق، وما أكثر الزنازين المتحركة في عالمنا العربي. وللتغلب على السجنين- سجن المكان وسجن العقل- لا بد من الوعي والتثقيف والتربية، وهذا ما كانت وما زالت الحركة الأسيرة تبذله من جهد.
وإن جاز التعبير، أسمّي هذه الثقافة ثقافة التحرر، فقد تبين لنا أن قيم التحرر من الاحتلال لا تعني بالضرورة أن حاملها يدرك قيم الحرية ويتمثلها. فهناك فرق بين التحرر والحرية: الأولى هي النضال ضد الخارج، والثانية هي النضال الداخلي الأصعب، ببناء المجتمع والدولة والنظام السياسي”.
وعن علاقته بالشهيد الأسير وليد دقّة، يروي الأسير الفلسطيني المحرّر زكريا الزبيدي أنه كان يعرف اسم وليد منذ سنوات سابقة، حين كان صغيرًا، وسمع باسمه داخل السجن وهو في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة تقريبًا.
ويقول الزبيدي إنه دخل السجن “متأخرًا” عام 2019، أي بعد نهاية الانتفاضة الثانية، حيث انتقل من سجن عوفر إلى جلبوع، ولم يتنقل بين السجون. ويضيف أنه عند دخوله السجن سأل مباشرة عن وليد دقّة.
يصف زكريا الزبيدي وليد دقّة بأنه يشبهه كثيرًا، وأنه كان يحبّ المسرح مثله – غيتي
ويشير إلى أنه التقى بوليد داخل سجن جلبوع وتناقشا لساعات طويلة، موضحًا أن “وليد لم يكن داخل السجن، كان فقط مجرد جسد”، وينقل قوله: “أول مرة أتواصل مع شخص نحو أربع ساعات ولا أشرب ماء”.
ويروي الزبيدي أن وليد كان يحب المسرح مثلما يحب هو، وأن فكره كان متشابهًا معه بشأن النظام وغيره. ويتحدث عن موقف ساخر بينهما، حين سأله لماذا لا يكتب على ورق مسطر، فرد وليد: “لا أعرف أن أكتب على دفتر مسطر”، فعلق الزبيدي: “أنا الآخر لا يستطيع السير على السطر”.
وليد دقة.. سيرة المناضل الأسير و”صهر الوعي”
من جهته، يروي الأسير الفلسطيني المحرر وائل جاغوب أنه تعرف على وليد دقّة كمناضل في أكثر من مستوى داخل السجن، وتعلم منه “كيف يفكر؟”، موضحًا أن بعض المسائل النظرية كانت تبدو سهلة بالحديث، “كنا جماعة تغييريين، وكان وليد يمارس ذلك بالتفاصيل، فهو يفكر من خارج الصندوق، ويسعى لتقديم حلول وفتح اتجاهات تفكير جديدة، وأحيانًا تتجاوز بعض أفكاره المألوف”.
وعن ذلك يتحدث زكريا الزبيدي، أن من دفعه للهروب من السجن (حادثة نفق الحرية) هو وليد من خلال “صهر الوعي”، والذي يعني هو الإيهام بأننا داخل “خزنة لا نستطيع الهروب منها” أو أن هناك “كاميرا ولا أحد جالس خلفها”، حيث تم إيهامنا بأننا داخل أقوى السجون في العالم. ويقول الزبيدي: “منذ أن دخلت السجن بدأت أفكر كيف أهرب..”.
وفي تسجيل صوتي عن كتابه صهر الوعي، يقول الشهيد الأسير وليد دقّة:
“لقد أصدرت قبل عدة سنوات كراسًا بعنوان صهر الوعي وإعادة تعريف التعذيب، وحاولت من خلاله تفسير أشكال التعذيب الحديث في السجون الإسرائيلية. وأشد أصناف التعذيب هو صهر الوعي، وإعادة تشكيل هذه الكتل البشرية عبر أحدث النظريات في الهندسة البشرية. والأصعب من ذلك كله هو أن لا تعرف سبب عذابك وألمك؛ فاليقين، حتى لو كان على شكل هراوة أخف وطأة، أفضل من اللايقين. وعندما أعدت تعريف التعذيب، كان لا بد من إعادة تعريف الألم، فالجسد، جسم الأسير، لم يعد الهدف الأساسي للتعذيب، بل أصبح عقله وروحه”.
وخلف القضبان، انشغل وليد دقة بالتحصيل الأكاديمي فأكمل البكالوريوس والماجستير، لكن حلمه بدراسة الدكتوراه قوبل بالرفض من قبل السلطات الإسرائيلية. وخلال سنوات السجن تفرّغ وليد دقة للكتابة والتأليف فعرّف بـ”الأسير المثقف” ومن مؤلفاته التي انتشرت خارج السجن: صهر الوعي، ورسالة الزمن الموازي، وعدد من روايات الأطفال مثل سر الزيت.
القصة كاملة
الشهادات التي نقلها الفيلم الوثائقي “أبو ميلاد” ليست سوى ومضات من سيرة إنسان استثنائي حوّل السجن إلى فضاء للفكر، والحب إلى فعل مقاومة، والألم إلى وعي.
وتروى في الفيديو المرفق، القصة كاملة وباقي تفاصيلها بصوت من عاشوها ورافقوا وليد دقّة في رحلته الطويلة، لتنكشف تفاصيل لم تُحكَ بعد عن الأسير الشهيد. ويمكنكم مشاهدة كامل الحلقة عبر هذا الرابط.



