عزمي بشارة: ترمب لا يعتبر تغيير الأنظمة هدفًا له وإنما يريد “تركيعها”

اعتبر المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب “مثابر” في ممارسة سياسات القوة، مشيرًا إلى أنّه لا يعتبر تغيير الأنظمة “هدفًا له”، وإنما “يريد تركيع الأنظمة لتقبل التعاون بالشكل الذي يريده”.
ورأى بشارة أنّ السلوك الأميركي تجاه إيران لا يشي بتوجهٍ حاسم نحو تغيير النظام، إلا أنّ ترمب يعتقد أنّ “ضربة ما” قد تجعل النظام الإيراني أكثر مرونة. وأشار إلى أنّ إسرائيل تفرض نفسها دومًا على مسار تعامل الولايات المتحدة مع إيران، لافتًا إلى أنّ التأثير الإسرائيلي على ترمب بارزٌ كذلك في الملف الفلسطيني.
جاء ذلك في مقابلة خاصة مع التلفزيون العربي، أدراها الزميل وائل التميمي، وتناولت التصعيد مع إيران وتداعياته على المنطقة، وملفات اليمن وغزة ولبنان، إلى جانب سلوك ترمب ونتنياهو في عام انتخابي يبدو حاسمًا لكليهما، وانعكاسات الوضع الداخلي في الولايات المتحدة على خياراتها الخارجية.
وفي قراءته لما يجري داخل إيران، أشار بشارة إلى أنّ القيادة الإيرانية تعترف بمشروعية المطالب الاجتماعية التي يرفعها المتظاهرون، لكن الإصلاحيين “يرثون” المشاكل الناجمة عن العقوبات من دون أن تتوفر لديهم حلول جاهزة.
وإذ حذّر من أنّ الصراع بين التيارات في إيران قد ينتقل إلى صراع على خلافة المرشد، اعتبر أنّ الطابع الشمولي للنظام في إيران يتراجع، لافتًا إلى أنّه لا يمكن إنكار وجود اختراقات إسرائيلية تستثمر في لحظات الاحتجاج.
وشدّد بشارة على أنّه لا أحد في المنطقة العربية لديه مصلحة في اندلاع حرب مع إيران، مذكّرًا بأنّ الدولة في إيران عريقة ولها تقاليد، ومنبّهًا إلى أنّ التغيير بالتدخل الخارجي يمكن أن يقود إلى فوضى.
وفي مقاربته لمعادلات النفوذ الإقليمي، رأى بشارة أنّ نفوذ إيران يمكن أن يكون فرصة للتفاهم معها لا لمحاولة ابتزازها، محذرًا من تحويل لحظات ضعف الأطراف إلى مناسبة لتصفية الحسابات بدل إنتاج تسوياتٍ قابلة للحياة.
وبالحديث عن ملامح “ولاية ترمب الثانية”، اعتبر أنّ النبرة الأميركية تبدو أقوى في الخصومة مع أوروبا، وأنّ تيار ترمب يستند إلى القيم المحافظة لتحديد القرب أو البعد من أطراف خارجية، لافتًا إلى أنّ سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند، إذا حصلت، لا تغيّر شيئًا في الموازين العسكرية والاستراتيجية، بقدر ما تُقرأ في سياق الهيمنة وإعادة ترتيب العلاقات مع الحلفاء.
وعلى المستوى الداخلي الأميركي، أشار إلى أنّ إرسال ترمب الحرس الوطني إلى الولايات لا يحظى بإجماع، وأنّ “المعركة الداخلية” هي التي ستحسم كل شيء، فيما ليس واضحًا بعد كيف ستنعكس التباينات داخل المعسكر الأميركي اليميني على نتائج الانتخابات المقبلة.
ليس لدى ترمب معطيات كافية للجزم بنتيجة الانتخابات النصفية
وفي الشأن الإسرائيلي، رأى بشارة أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد البقاء في السلطة لأسباب تتصل بعقيدةٍ يسعى إلى تطبيقها، معتبرًا أنّ إسرائيل تمارس “ضمًا زاحفًا” في الضفة الغربية عبر توسيع الاستيطان وهدم المخيمات.
ولفت إلى أنّ الحرب في غزة انخفضت وتيرتها لكنها ما زالت مستمرة، مشيرًا إلى أنّ نتنياهو يقدّم حروبه في المنطقة للمجتمع الإسرائيلي كنماذج “ناجحة”. وتحدّث عن تحولاتٍ عميقة في المجتمع الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر، بينها تصاعد رفض فكرة الدولة الفلسطينية، واتساع نزعاتٍ تستهدف حقوق العرب داخل إسرائيل.
وفي ما يتعلق بترتيبات غزة، لفت بشارة إلى أنّ الولايات المتحدة مصرّة على إظهار أنها المشرفة المباشرة على هذه الترتيبات، وأنّ البنية الإدارية القائمة في القطاع يمكن أن تفيد في التعامل مع الوضع الحالي، معتبرًا أنّ قبول خطة “العشرين بندًا” كان ثمن وقف الحرب الشاملة.
وبالنسبة إلى التصعيد في لبنان، رأى أنّ اشتراطات الإسرائيليين تتوسع لأنهم يعتقدون أن اعتداءاتهم تمرّ بلا ردّة فعل.
فيديو – المقابلة الخاصة مع الدكتور عزمي بشارة│ تداعيات التصعيد الأميركي الإيراني ومسار العلاقة بين ترمب ونتنياهو في عام انتخابي
“التأجيل” لا يعني نهاية التصعيد مع إيران
من التصعيد مع إيران، انطلق المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في حديثه إلى التلفزيون العربي، حيث لفت إلى أنّ الهدوء النسبي في الساعات الأخيرة لا يعني انتهاء الجولة، موضحًا أن المشهد لا يزال يحتاج إلى ترقّب، وأن ضربة “كان متوقعًا أن تحصل” قد تكون أُجّلت لسببين محتملين.
فالتأجيل، بحسب بشارة، قد يكون ناجمًا عن “فتح باب الحوار”، وهو السيناريو الذي يراه سببًا للتفاؤل إن صحّ، وقد يكون مرتبطًا بأسباب تقنية وفنية تتصل بالأهداف وبحجم القوى اللازمة في المنطقة لتحقيقها، وبالقدرة على إنجازها بالسرعة التي يريدها الرئيس الأميركي. وفي الحالة الثانية، يصبح التأجيل مؤقتًا “إلى حين” زوال العوائق وتوافر العوامل الكافية.
وفي تفسيره لطريقة ترمب، رفض بشارة وصفه بالمتقلب، معتبرًا أنه “مثابر” في النهج، حتى لو بدا خطابه متبدلًا في المؤتمرات الصحافية أو مثيرًا للتعليقات. وكرّر ما كان قد وصفه سابقًا بأن ترمب يمارس “سياسات القوة” ضمن غلاف “تلفزيون الواقع”، حيث يجري تحويل الاستعراض إلى سياسة، وتقديم القرارات على هيئة مشاهد تُصنع للداخل الأميركي بقدر ما تُصنع للخارج.
ومن هذا المنطلق، قال بشارة إن ترمب لا ينتمي إلى اليمين الأميركي الكلاسيكي، مشيرًا إلى أنّ هدفه ليس تغيير الأنظمة، بل على العكس انتقد تدخلات مثل العراق وطريقة إدارتها. وبدل “تغيير الأنظمة”، يركز ترمب، وفق بشارة، على فكرة “تركيع الأنظمة”، لتقبل التعاون مع الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الجيوستراتيجية والاقتصادية، أي الاعتراف بالولايات المتحدة كشريك رئيسي في الاقتصاد.
وقال: “أنا أعتقد هذا ما يريد أن يحققه في إيران، إذا نجح بالحسنى فليكن، إذا نجح بالتهديد فليكن، إذا لم ينجح فبالقوة، آملًا أن تنهار معنويات النظام الإيراني بعد ضربات ويأتي للتفاوض”.
ماذا تريد واشنطن من إيران؟
وردًا على سؤال، اعتبر بشارة أنّ ما يريده ترمب من النظام الإيراني هو ألا تكون إيران “بؤرة عداء” للولايات المتحدة كما كانت منذ الثورة الإيرانية، وأن تتحول من موقع الخصومة إلى موقع “الصداقة” بالمعنى الجيوستراتيجي.
أما الأمر الثاني الذي يريده ترمب من إيران، فهو اقتصادي، انطلاقًا من أن إيران دولة مهمة ويمكن أن تصبح شريكًا اقتصاديًا مؤثرًا إذا تغيّر تموضعها.
وفي هذه الخلفية، تصبح عناوين مثل “الملف النووي” و”الصواريخ الباليستية” أدوات ضغط ترتبط بحسابات الحلفاء وبمصالح واشنطن، لكنها ليست جوهر القصة وحدها.
ورأى أن ترمب لا يستطيع العودة بسهولة إلى تفاوض نووي بعد الحرب الأخيرة، لأنه قال عمليًا إن موضوع السلاح النووي “انتهى”، ما يضعه أمام اختبار صدقيته السياسية، ولذلك يتركّز الحديث أكثر على الصواريخ بعيدة المدى، وعلى شروط تتصل بالدور الإقليمي.
وأكد بشارة أن “الموضوع الإسرائيلي” قد لا يكون جوهريًا عند ترمب نظريًا، لكنه يفرض نفسه “كل مرة”، مشدّدًا على أن إسرائيل كانت سببًا رئيسيًا في تصعيد الأزمة بين واشنطن وطهران عند كل بوادر حلول، خصوصًا في فترات الإصلاحيين.
وبحسب بشارة، فإن التفكير الأميركي التقليدي قد يرى الإصلاحيين شريكًا للحوار، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى إسرائيل التي “لم يعجبها خاتمي ولا روحاني”، ولا تقبل أصلًا بفكرة أن إصلاحًا في إيران يفتح باب تفاهمات تخفف من منسوب التوتر.
واستعاد بشارة تجربة الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما، وكيف ذهب نتنياهو إلى الكونغرس في تحدٍّ للإدارة الأميركية وخاطب اجتماعًا مشتركًا ضد الاتفاق. ورأى أن أوباما لم ينصع حينها، لكن اللوبي الإسرائيلي عمل بقوة لإسقاط الاتفاق داخل الكونغرس وفي أوساط الحزب الجمهوري، حتى جاء ترمب وألغاه عام 2018.
منطق ترمب: “الضربة” لتليين الموقف
وفي تقييمه للمرحلة الحالية، اعتبر بشارة أن الملف النووي بات “عمليًا خارج الصورة”، وأن الضغط سيتجه أكثر إلى الصواريخ وإلى قضايا جيوستراتيجية مرتبطة بدور إيران في الإقليم، خصوصًا أن طهران، وفق توصيفه، خسرت حلفاء إقليميين وأوراقًا كانت تملكها، ما يجعل هامش الضغط عليها أوسع في نظر خصومها.
وتوقّف بشارة عند الفكرة التي يراهن عليها ترمب، وهي أن استخدام القوة قد يجعل القيادة الإيرانية أكثر مرونة، وأن “ضربة” قد تؤدي إلى تراجع المعنويات داخل النظام ودفعه إلى التفاوض.
ترمب لا ينتمي إلى اليمين الأميركي الكلاسيكي، وهو مثابر، وليس متقلّبًا إطلاقًا
وشرح أن ترمب، بعد الحرب الأخيرة، لم يحصل على النتيجة التي يريدها، إذ لم تأتِ إيران “خاشعة راكعة” إلى التفاوض، ولذلك يعتقد أن المهمة لم تنتهِ وأن عليه الاستمرار.
لكن بشارة ميّز بين ما “يعتقده ترمب” وما قد يقوله “شخص يعرف المنطقة جيدًا”، إذ إن المرشد، في هذا التقدير، لن يغيّر موقفه بسهولة. لذلك، ما قد يحدث، وفق بشارة، هو محاولة إضعاف مكانة المرشد داخل النظام إلى حد يسمح بفتح نقاش داخلي حول تسويات “مؤقتة” تمرّر مرحلة ترمب، ثم تعود إيران لاحقًا إلى استعادة ثقتها بنفسها عندما يتغير الرئيس الأميركي.
احتجاجات إيران: مطالب “عادلة” وصراع حقيقي
في المقاربة الداخلية، قال بشارة إن هناك “مشكلة حقيقية” في إيران، تتمثل في صعوبة إصلاح الوضع الاقتصادي والتجاوب مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي وصفها بأنها “عادلة”، من دون رفع الحصار. وأوضح أنّ إيران تبيع النفط بأسعار منخفضة بسبب العقوبات، ولا تستطيع زيادة الإنتاج أو تحديث البنية التحتية من دون شركات واستثمارات ومعدات محرومة منها.
وفي هذا السياق، رأى أن الإصلاحيين في الحكم “يرثون المشاكل” الناتجة عن العقوبات من دون أن تتوفر لديهم أدوات الحل، بينما يستمر المحافظون في التحكم بالملفات الجيوستراتيجية التي تُبقي الحصار قائمًا.
وقال: “الإصلاحيون يرثون المشاكل وليست لديهم أدوات للحلول، ويعتقدون أن سياسة المحافظين تحول دونهم ودون الحلول، لأنه طالما أنّ المحافظين يتحكمون في القضايا الجيوستراتيجية فإنّ الحصار سيستمر”.
قال بشارة إن القيادة الإيرانية تعترف بمشروعية المطالب الاجتماعية التي يرفعها المتظاهرون
ومن هنا، اعتبر أن الصراع داخل إيران حقيقي، متوقّعًا أن يتخذ شكل صراع على من سيكون “المرشد القادم”، إذ إن موقع المرشد، إذا كان مقرّرًا لهذه الدرجة، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: “لماذا لا يكون المرشد نفسه إصلاحيًا؟”.
وبحسب بشارة، قد يتحول ملف رفع الحصار، بوصفه ضرورة لتخفيف الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، إلى محور صراع سياسي أكبر يمتد إلى رأس الهرم.
الطابع الشمولي للنظام في إيران يتراجع
ووصف بشارة ما تعيشه إيران منذ 2009 بأنه “حالة ثورية دائمة”، حيث تكفي قضية مثل الحجاب أو رفع الأسعار لإشعال الشارع. ورأى أن المجتمع الإيراني تغيّر بعمق، إذ توجد مدن متطورة وطبقات وسطى وحضور قوي للشخصية الفردية التي لا تريد أن تتحكم القيادات الدينية في حياتها.
لذلك، اعتبر بشارة أنّ “الطابع الشمولي للنظام يتراجع”، وقال إن النظام يقدم تنازلات بشكل مستمر، سواء في السلوك الاجتماعي أو في مساحات التعبير، معتبرًا أن هامش حرية التعبير في إيران أوسع من كثير من الدول السلطوية.
وقال: “هناك في إيران حد أدنى من حرية التعبير، هناك انتخابات، هناك تيار إصلاحي، هناك نوع من التعدد، هناك متنفسات غير قائمة في دول دكتاتورية شمولية مثل الصين، أو حتى مثل دول عربية، لكن هذا لا يكفي. وهم يعرفون أنّ هذا لا يكفي”.
اختراق إسرائيلي للاحتجاجات في إيران؟
لكن بشارة شدّد، في الوقت نفسه، على عدم إغفال العامل الخارجي. فإلى جانب “الأصيل” في الاحتجاجات، أي المطالب الاجتماعية والاقتصادية والتيارات الديمقراطية وقضايا الأقليات، تحدث عن عمل خارجي يستثمر في الداخل الإيراني، معتبرًا أن “الشغل الأهم” في هذا السياق يأتي من إسرائيل.
واستشهد بحجم الاختراقات الإسرائيلية التي ظهرت خلال الحرب، وقال إنه لا يصح الاعتراف بالاختراقات في زمن الحرب ثم نفي وجود اختراقات في زمن الاحتجاجات، لأن إسرائيل نفسها “تتفاخر” بأنها تؤثر وتخاطب الإيرانيين بالفارسية.
كما لفت إلى تحريض رئيس أميركي للمتظاهرين على “احتلال المؤسسات”، بوصفه مثالاً صارخًا على مستوى التدخل. وقال: “تخيّل أن يخرج رئيس دولي ويدعو متظاهرين في الولايات المتحدة إلى احتلال مؤسسات، أو يطلب منهم الصبر حتى يضرب”. وأضاف: “المظاهرات ليست سببًا لضرب أي دولة في الدنيا، وحيث حصل ذلك ثبت أنه لا يفيد ويؤدي إلى أخطاء. ونعرف الدول العربية التي حصل فيها ذلك أنه بالنهاية أدى إلى انهيارات”.
وخلص إلى أن إدارة ترمب ليست إدارة “تغيير أنظمة وبناء دول”، بل إدارة علاقات قوة ومصالح، معربًا عن اعتقاده بأنها تريد أن تضرب لتضغط على إيران بحيث تفاوض بموجب شروطها.
لا مصلحة عربية في حرب مع إيران
وأكد بشارة أن “لا أحد” في المنطقة العربية، من صناع قرار أو من “العاقلين”، لديه مصلحة في اندلاع حرب مع إيران، ليس بالضرورة لأسباب أخلاقية، ولكن لأسباب مصلحية مباشرة، لأن المنطقة خبرت نتائج الفوضى وما زالت تعاني منها.
وقال: “حتى الدول العربية المختلفة مع إيران متحفظة في ردود الفعل، لأن أحدًا لا يريد حربًا وفوضى، نحن رأينا نتائج ذلك وبعض دول المنطقة ما زالت تعاني”.
وعن دول الخليج، رأى بشارة أن هناك خشية من مضاعفات أي تغيير بالقوة بتدخل خارجي، مذكرًا بتجربة العراق وكلفة الاحتلال والفوضى. وأوضح أن إيران دولة عريقة ومتعددة القوميات ولها تقاليد دولة قديمة، وأن خطر انهيار الدولة ليس السيناريو المرجح، لكن الفوضى الانتقالية تبقى ممكنة، وهو ما لا يريده أحد.
وأضاف: ” لا أعتقد أنه يوجد خطر في يوم من الأيام أن تنهار الدولة، لكن حتى بلد مثل روسيا بعد التغيير دخل في حالة فوضى 10 سنوات. لا أحد لديه مصلحة بالفوضى ونتائجها، والجميع يفضل في مثل هذه الحالات التغييرات الإصلاحية الانتقالية التدريجية”.
اليمن: لا بديل للحوار الوطني
في ملف اليمن، قال بشارة إنه يمكن لإيران، إذا كانت الأطراف الأخرى مستعدة لعدم استغلال الظرف لتصفية الحسابات، أن تلعب دورًا يساعد على التهدئة. لكنه حذّر من أن استغلال ضعف إيران لإذلال طرف داخلي سيدفع إلى رد فعل قوي، لأن الأمر قد يوقظ مخاوف وجودية لدى جماعات بعينها، مشيرًا إلى أنّ هذا الأمر يصحّ في حالة لبنان كما اليمن.
وأكد أن الحوثيين لم يكونوا تاريخيًا تابعين لإيران، وأنهم جزء من اليمن، محذرًا من أن أيّ فوضى في اليمن يمكن أن تقود إلى تجزئته إلى عدة كيانات، وهو ما لا مصلحة لأحد فيه.
وفي المقابل، طرح صيغة “محافظات” أو “ولايات” ذات إدارة ذاتية بدرجة من اللامركزية بوصفها الأكثر واقعية، معتبرًا أن العودة إلى مركزية شديدة في اليمن، وكذلك في السودان أو ليبيا، أصبحت صعبة بعد الحروب الأهلية. قال إنه لفت نظره، صدر عن أعضاء المجلس الانتقالي المجتمعين في الرياض، تحدث عن “حوار جنوبي جنوبي”، ووردت فيه عبارة: “قام المجلس الانتقالي من أجل استعادة دولتنا في اليمن الجنوبي”. ومع ذلك، قال إنه لا يعتقد أن السعودية شريكة في مخطط قيام دولة جنوبية مستقلة.
وفي خلاصة اليمن، شدد بشارة على أنه “لا يوجد بديل” لمخرجات الحوار الوطني اليمني، الذي قام به اليمنيون بأنفسهم، وشارك فيه الحوثيون، وفئات جنوبية متعددة، وتحدث عن صيغة يمن اتحادي. وقال: “أعتقد أنها صيغة مناسبة الآن في هذه الظروف”.
ورأى أن النفوذ الإيراني يمكن أن يكون فرصة للتفاهم ووضع شروط عدم التدخل في الشؤون العربية وعدم إثارة الموضوع الطائفي، مع تأكيده أن مسؤولية عدم إثارة الطائفية تقع على الجميع.
غرينلاند والناتو: الهيمنة بدل الضرورة الاستراتيجية
في ملف غرينلاند، اعتبر بشارة أن الحديث عن خطر صيني روسي “بعيد جدًا”، ولا توجد مؤشرات عليه، وأن الولايات المتحدة تملك أصلًا قاعدة عسكرية هناك، وبالتالي فإن السيطرة على الجزيرة لا تغيّر شيئًا جوهريًا في الموازين العسكرية والاستراتيجية.
وقرأ الإصرار الأميركي في إطار الهيمنة والضم والرغبة في دخول التاريخ بوصفه من وسّع مساحة الولايات المتحدة، إلى جانب ملف الموارد والثروات.
وربط بشارة ذلك بالسلوك الأميركي تجاه أوروبا والناتو، معتبرًا أن النبرة الأميركية أقوى في ولاية ترمب الثانية، وأن هناك توجهًا نحو فك الشراكة مع أوروبا، وهو ما وصفه بأنه مستغرب استراتيجيًا إذا كانت الصين هي الخصم العالمي، لأن واشنطن “تحتاج إلى التحالفات وأقوى الحلفاء وأقرب الحلفاء”، لكن التوجه معكوس.
لكن بشارة أعرب عن اعتقاده بأن تيار ترمب لا ينظر إلى العالم اليوم كمنقسم بين ديمقراطيات ليبرالية وسلطويات، بل كمنقسم بين قوى محافظة وقوى ليبرالية. ووفق هذا المنظور، تصبح أوروبا، بثقافتها الليبرالية، أقرب إلى الخصم، بينما تقترب بعض السلطويات من هذا التيار على أساس “القيم المحافظة”، مثل قضايا الأسرة والهوية.
وقال: “العالم أصبح منقسمًا بهذا الشكل، وبالتالي أوروبا تصبح خصمًا، إلا إذا حكمها أشخاص مثل حكام الولايات المتحدة الحاليين، عندها تعود حليفًا. وهو يشجع التيارات الشعبوية اليمينية في أوروبا”.
وأضاف: “هذا تغيير جذري وواضح. غرينلاند أحد مسارحه. هناك إذلال للطرف الليبرالي لأنه غير قوي وضعيف ولا يستطيع الدفاع”.
التحدي الرئيسي.. الانتخابات النصفية
وبالحديث عن الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، لفت بشارة إلى أنّ التحدي الرئيسي هو الانتخابات النصفية ثم الرئاسية، أي سؤال استمرار هذا التيار من عدمه.
ورأى أن العمليات الخارجية والاستعراضات تُستخدم في الداخل لإظهار القوة واستعادة “عظمة أميركا”، مشيرًا إلى أن هناك تصورًا اقتصاديًا يقول إن السياسة الخارجية تجلب المال وفرص العمل، لكنه لم يظهر منه الكثير على أرض الواقع حتى الآن، خصوصًا لدى الطبقة الوسطى والفئات العاملة، بينما يبدو أن المستفيد الرئيسي حتى اللحظة هو الأثرياء، عبر تخفيضات ضريبية وتسهيلات للاستثمار.
المعركة الداخلية هي المعركة الحقيقية
وتحدث عن انقسامات حادة حول سياسات الهجرة، معتبرًا أن هناك تيارًا محافظًا يدفع نحو “عودة أميركا البيضاء” والخوف من التعددية الثقافية، وأن هذا ينعكس في السياسات الداخلية والخارجية.
كما أشار إلى أن إرسال الحرس الوطني إلى الولايات لا يحظى بإجماع، وأن هناك حساسية أميركية تقليدية تجاه توسيع الحكم المركزي على حساب صلاحيات الولايات، مؤكدًا أن “المعركة الداخلية” هي التي ستحسم كل شيء.
وفي السياق نفسه، رأى أن نسب التأييد لترمب لا تشهد ارتفاعًا واضحًا، وأنها تدور في نطاق محدود، ما يعني أن “النجاحات” الخارجية، حتى لو قُدِّمت لأنصار ترمب على أنها نجاحات، لا تترجم تلقائيًا إلى تأييد متزايد.
انقسام داخل اليمين الأميركي
وردًا على سؤال عن كيفية حفاظ ترمب على قاعدته التي ترفض تغيير الأنظمة، قال بشارة إن هناك صراعات داخل المعسكر اليميني نفسه، بين اليمين التقليدي وشباب اليمين الجديد والكنائس الإنجيلية. وأشار إلى بروز تيار يميني أكثر انعزالية، يرى أن عظمة أميركا تكون بتقليل التدخلات الخارجية.
وفي قلب هذا الجدل، لفت إلى انتشار مقولة “الذيل يهز الكلب”، في إشارة إلى رفض الاعتقاد بأن إسرائيل تقود سياسات أميركا في الشرق الأوسط، وقال إن هذا المثل “أصبح شعبيًا، ينتشر مثل النار في الهشيم نتيجة وسائل التواصل”، لكنه اعتبر أنه ليس واضحًا بعد كيف سيترجم انتخابيًا، رغم أنهم ما زالوا يعتبرون أنفسهم في معسكر “ماغا” ومع ترمب، ويذكرونه بوعوده”.
وقال بشارة إنه إذا كان من يقرر سياسة أميركا في إيران هي إسرائيل، فإنّ “إسرائيل تريد الفوضى، تريد تهديم النظام، تريد تغيير النظام، لا تريد الإصلاحيين، كما أنها تريد تقسيم سوريا”، وقال إنّ هذه نقاط خلافية مع ترمب الذي يعتبر أنّ “لدينا حلفاء جدد في سوريا نريد أن نعطيهم فرصة”.
لكن، رغم هذه الفروقات، اعتبر بشارة أنّ التأثير الإسرائيلي على ترمب بارز جدًا في ملفات عدّة، منها الملف الفلسطيني. وقال إن إسرائيل تحاول توسيع الدائرة لتكون هي “صانع السياسات الأميركية في الشرق الأوسط”، وإن ذلك لم يحصل نهائيًا حتى الآن، لكن لديهم “لوبي قوي”.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة “تؤمن بالقوة ومناطق النفوذ”، وأنها تقبل بتمدد نفوذ إسرائيل في جنوب سوريا وجنوب لبنان. لكنه اعتبر أنّ “السلوك الأميركي تجاه إيران لا يشي باتجاه تغيير النظام”.
وعن ثقة ترمب بالفوز في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، قال بشارة إن ذلك جزء من الدعاية السياسية، وإن ترمب لا يملك معطيات كافية للجزم، بل إن هناك معطيات لدى باحثين ومحللين قد تشير إلى نتائج مختلفة.
إسرائيل تمارس “ضمًا زاحفًا” في الضفة الغربية
انتقل الحوار إلى إسرائيل والانتخابات المحتملة فيها، فرأى بشارة أن نتنياهو يريد البقاء في السلطة، ليس فقط لأسباب سياسية وشخصية، بل لأنه صاحب “عقيدة” يسعى إلى تطبيقها بمثابرة، في مقدمتها منع قيام دولة فلسطينية، وتعزيز تصور “أرض إسرائيل الكبرى”.
واعتبر بشارة أن إسرائيل تمارس “ضمًا زاحفًا” في الضفة الغربية عبر توسيع الاستيطان وهدم المخيمات والتخلص من بؤر المقاومة، وأن الحرب في غزة انخفضت كثافتها لكنها “ما زالت مستمرة”، عبر استهدافات متقطعة وتدمير ممنهج. وأشار إلى أن “نيويورك تايمز” نشرت تقريرًا عن هدم آلاف المباني منذ وقف إطلاق النار، ما يعني أن التدمير لا يتوقف عند القصف الجوي، بل يمتد إلى عمليات هدم منظمة.
ورأى أن نتنياهو سيحاول إفشال المرحلة الثانية من اتفاق غزة أو القبول فقط بما يريده منها، مع عدم الانسحاب وفتح المعابر بالقدر الذي يناسبه، معتبرًا أن ما يعزز ثقة نتنياهو هو غياب ضغط مادي حقيقي على إسرائيل، رغم التحول الكبير في الرأي العام العالمي.
مناخ عنصري متصاعد تجاه العرب داخل إسرائيل
وفي الداخل الإسرائيلي، قال بشارة إن نتنياهو يقدّم ما جرى في غزة ولبنان كنماذج ناجحة، مستندًا إلى “حقائق مادية” يلمسها الناخب، مثل اتساع هامش اليد الإسرائيلية في القصف من دون ردع فعلي. وأوضح أن الإسرائيلي يرى أن “إسرائيل تضرب في لبنان وتضرب في غزة، من دون أن تتلقى أي رد”. واعتبر أن هذا النوع من “الحقائق المادية” يقنع الناخب أكثر.
من هنا، أشار إلى تحسن وضع نتنياهو الشعبي في الأشهر الأخيرة، لكنه قال إن أقصى نسبة يحصل عليها في الاستطلاعات “40%” مقابل “35%” لمنافسه.
إلا أنه شدد على أن الانتخابات في إسرائيل لا تُحسم مباشرة، لأنها انتخابات حزبية وائتلافية، وأن استطلاعات القوة لا تمنح نتنياهو تلقائيًا ائتلافًا مريحًا، إذ قد يصل إلى كتلة لا تكفي لتشكيل حكومة من دون مناورة سياسية وفرض “أعراف” تمنع تشكيل حكومة بأصوات العرب.
وفي توصيفه لتغير المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، تحدث بشارة عن مناخ عنصري متصاعد تجاه العرب داخل إسرائيل، إلى حد الحديث عن سحب حق التصويت. وربط ذلك بما سماه اتجاهًا نحو “نظام أبارتهايد” يقوم على ضم الأرض من دون منح الحقوق.
وفي هذا السياق، لفت إلى ارتفاع نسبة رفض الدولة الفلسطينية إلى “أكثر من 75%”، إضافة إلى تصاعد الموقف من العرب في الداخل، حتى إن “هناك غالبية في إسرائيل اليوم ممن يريدون سحب حق التصويت من العرب في الداخل، وحتى حق الانتخاب”.
وعلى المستوى التكتيكي، رأى أن منع نتنياهو من تشكيل حكومة يمينية متطرفة يتطلب رفع نسبة التصويت لدى العرب في الداخل، وتوحيدهم في قائمة واحدة إن أمكن، لأن ذلك قد يمنحهم تمثيلًا أكبر وقد يصل إلى 15 مقعدًا، بما يغيّر توازنات الائتلافات، ولو كان الهدف “تقنيًا” يتعلق برفع التمثيل أكثر من كونه اتفاقًا سياسيًا شاملًا بين الأحزاب العربية.
وشدّد على أن الأولوية “رفع نسبة التصويت” و”قائمة واحدة” إن أمكن، ولو كان الاختلاف سياسيًا، لأن الهدف في هذه الحالة “تقني” يتعلق بزيادة التمثيل ومنع حكومة يمين متطرف مع بن غفير وسموتريتش.
هذا “ثمن” قبول وقف الحرب على غزة
وفي ختام المقابلة، تطرق الدكتور عزمي بشارة إلى التطورات في قطاع غزة في ضوء الإعلان عن لجنة تكنوقراط انتقالية لإدارة الوضع. وهنا قال بوضوح إن اللجنة “لا تمتلك أدوات العمل” بذاتها، بل يجب أن تُمنح الأدوات. ولفت إلى أن اجتماعها في السفارة الأميركية في القاهرة يعكس، في رأيه، إصرار الولايات المتحدة على إظهار أنها المشرفة المباشرة على الترتيبات.
وأكد أن الميزانيات لا تنفع إذا لم تُفتح المعابر، وإذا استمرت إسرائيل بالقصف والهدم واحتلال أجزاء من القطاع، لأن ذلك سيجعل اللجنة عاجزة عن القيام بوظيفتها.
الحرب في غزة مستمرة، بكثافة منخفضة لكنها مستمرة
وفي المقابل، رأى أن البنية الإدارية القائمة في غزة يمكن أن تفيد، وأن أسهل طريق لتشغيل الإدارة هو الاعتماد على مؤسسات مدنية وخدمات قائمة، بما في ذلك الشرطة، لأن إدارة واقع منهار لا تبدأ من الصفر.
وعن المرجعية الوطنية، قال إن المرجعية الرسمية وفق المبادرة الأميركية هي “مجلس السلام”، أما الشرعية الوطنية فتأتي من موافقة الفصائل، أو على الأقل من عدم اعتراضها. وربط ذلك بما سماه خطة “العشرين بندًا”، معتبرًا أن قبولها كان ثمن وقف الحرب الشاملة عالية الكثافة، مع التشكيك في مدى جدية الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل للسماح بوقف القصف والانسحاب وفتح المعابر.
كما توقف عند فكرة “قوة تحقيق الاستقرار الدولية” التي لا يُعرف عنها الكثير، مشيرًا إلى أنه لا توجد دول أعلنت رسميًا مشاركتها حتى الآن، وأن هذه القوة لن تريد أن تكون متورطة في عملية نزع سلاح، في وقت تصر إسرائيل على إدخال هذا الشرط ضمن أي ترتيبات
إسرائيل “طمعت” في لبنان لأن “لا ردّة فعل”
وعن لبنان، قال بشارة إن التصعيد الإسرائيلي يتواصل لأن إسرائيل “طمعت”، إذ ترى أن اعتداءاتها تمر بلا ردود فعل، ومع وجود تشجيع أميركي. فبعد أن كان المطلب الإسرائيلي محصورًا بجنوب الليطاني، بدأ يتوسع لأن تل أبيب ترى أن الضغط “مربح”، إما لإضعاف حزب الله أكثر عبر القصف، وإما للضغط على الحكومة اللبنانية كي تدخل في صدام معه.
وفي شأن التطبيع، قال بشارة إن إسرائيل تريد ذلك، لكنه “صعب” لأن لبنان ما زال يواجه واقع احتلال، ولأن الرأي العام اللبناني، بحسب توصيفه، أكثر فاعلية وحساسية تجاه هذا الملف مقارنةً بساحات عربية أخرى، ما يجعل الثمن الداخلي لأي خطوة من هذا النوع شديد الكلفة.
وختم بشارة بالإشارة إلى مفارقة يعتبرها أساسية، وهي أن التحول الإيجابي في الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية لا يقابله تقدم مماثل على مستوى “النظام الرسمي العربي”، بل يظهر، وفق تقييمه، تراجع لا تقدم، وهو ما يمنح إسرائيل هامشًا أوسع لتثبيت وقائعها على الأرض.


