أبعاد

لغز رانيا العباسي وعائلتها.. قصة إحدى أشهر قضايا الاختفاء القسري في سوريا

في أحد أكثر أحياء دمشق تحصينًا وقربًا من دوائر السلطة، اختفت طبيبة أسنان وبطلة شطرنج دولية مع أطفالها الستة ومرافِقتها، من دون أي رواية رسمية أو أثر مؤكَّد. بعد أكثر من عقد، ما زالت قضية رانيا العباسي واحدة من أكثر ملفات الاختفاء القسري غموضًا في سوريا.

في ضاحية الشام الجديدة، أو ما يُعرف بـ”مشروع دُمّر”، وعلى مقربة من القصر الجمهوري، كانت الدكتورة رانيا العباسي، المنشغلة بعيادتها ورعاية أطفالها الستة، تحاول العيش بهدوء وسط دوامة الأحداث في البلاد، رافضةً المغادرة رغم المخاطر المتزايدة.

لكنّ العباسي، طبيبة الأسنان المولودة في دمشق عام 1970، لم تكن تعلم أن الإصرار على البقاء في منزلها سيكون طريقها إلى المجهول.

ففي 11 مارس/ آذار 2013 انقطع الاتصال بينها وبين إخوتها، واختفى أثرها حتى اليوم، إلى جانب أطفالها الستة: ديما، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، والرضيعة ليان، وكذلك مساعدتها في العيادة مجدولين القاضي.

ومنذ ذلك التاريخ، تحولت رانيا العباسي، الأم وطبيبة الأسنان وبطلة الشطرنج الدولية، إلى عنوانٍ بارز في سجل قضايا الاختفاء القسري في سوريا.

 الطفلة ليان، أصغر أطفال رانيا العباسي لحظة اختفاء العائلة في سوريا 

بطلة شطرنج.. ووالد غائب خلف جدران تدمر

  • جذبت عبقرية رانيا العباسي في الشطرنج الأضواء إليها مبكرًا، في وقتٍ كان والدها يقبع في زنزانات سجن تدمر بعيدًا عنها.
  • عاشت رانيا وطأة الغياب منذ كانت في العاشرة من عمرها، فيما كان يرافقها حلمٌ ثابت: أن تتمكن يومًا من مساعدة والدها الغائب، بالتوازي مع طريقٍ صعدت فيه نحو البطولة والشهرة.

عودة رانيا العباسي واندلاع الثورة السورية

في عام 1995 هاجرت العائلة إلى المملكة العربية السعودية، حيث استقرت رانيا العباسي وعملت في مستوصف بمدينة الرياض.

إلا أنها عادت إلى سوريا عام 2006 وافتتحت عيادتها الخاصة في مشروع دُمّر. وخلال سنوات قليلة، اندلعت الثورة السورية، وتغيّر المشهد في دمشق جذريًا.

يقول أمين سرّ اللجنة الوطنية للمعتقلين مروان العش إن العاصمة قُسّمت آنذاك إلى قطاعات أمنية تتقاسم السيطرة عليها أربع جهات رئيسية: المخابرات الجوية، والمخابرات العسكرية، والأمن السياسي، وأمن الدولة، قبل أن تتوسع لاحقًا منظومة السيطرة مع الدفاع الوطني واللجان الشعبية.

ويضيف العش أن قطاع دُمّر ومشروع دُمّر كانا ضمن نفوذ الفرع 215 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، المعروف أيضًا بـ”سرية المداهمة”، حيث فُرضت قبضة أمنية عبر حواجز ثابتة ومتحركة ودوريات مكثفة، مع رقابة لصيقة على حركة السكان ونشاطهم اليومي.

وجاءت الحساسية الأمنية للمنطقة، وفق شهادات متقاطعة، لكون مشروع دُمّر كان يضم وزراء وضباطًا وكبار مسؤولي الدولة.

صداقة عابرة.. وشرارة قادت إلى سلسلة اعتقالات

مع تصاعد حملات النظام العسكرية ضد المدن والبلدات في مختلف المحافظات السورية، بدأت حركة نزوح واسعة باتجاه دمشق، واستقبلت أحياؤها آلاف العائلات المهجّرة المحتاجة للطعام والمأوى.

ويقول حسان العباسي، شقيق رانيا، إن عائلة نازحة من حي الخالدية في حمص سكنت قرب عيادة رانيا، الواقعة على مقربة من مسجد الوزّان في حي دُمّر. ومع الوقت نشأت صداقة بين رانيا ووالدة تلك العائلة وفاء الأيوبي، بحكم أن رانيا أصبحت طبيبة أسنان لأفرادها.

ويضيف حسان أن زوج رانيا، عبد الرحمن الياسين، تعرّف بدوره إلى ابن العائلة محمد (وكان يبلغ نحو 18 عامًا)، ونشأت بينهما علاقة صداقة، وزار محمد منزل عبد الرحمن ورانيا أكثر من مرة.

رانيا العباسي.. بطلة شطرنج إلى جانب عملها طبيبة أسنان

من جهتها، تصف وفاء الأيوبي شخصية رانيا بأنها “جميلة ومثابرة”، وتقول إن الزيارات بين العائلتين كانت شبه يومية. لكنّ القصة بدأت تتخذ منحى مختلفًا مع اعتقال ابنها محمد، بعدما عجزت العائلة عن تجديد وثيقة مرتبطة بوضعه تجاه الخدمة العسكرية، بحسب روايتها.

وبحسب حسان العباسي، فإنّ الشاب محمد أن الشاب محمد قال، ضمن إفاداته بعد توقيفه، إن عبد الرحمن الياسين أعطاه مبلغ 10 آلاف ليرة سورية (نحو 100 دولار في ذلك الوقت).

الأيام الثلاثة التي سبقت الاختفاء

في 9 مارس/ آذار 2013 شاهد عبد الرحمن الياسين من نافذة منزله عناصر مسلحين يقتادون محمد، وعليه آثار تعذيب واضحة، قبل أن يُعتقل عبد الرحمن نفسه أمام أعين أطفاله.

ويقول حسان إن شقيقته، رغم الخوف، لم تتخذ قرارًا بمغادرة دمشق إلى السعودية، لأنها لم تكن ترى سببًا يدعوها للهروب، وكانت تعتقد أن توقيف زوجها لن يطول، وأنه سيخرج خلال أيام.

وفي 11 مارس/ آذار زارت الممرضة مجدولين القاضي رانيا في محاولة لمواساتها، وسط آمال بأن يعود عبد الرحمن في أي لحظة.

غير أن ذلك اليوم كان بداية الفراغ الكبير: انقطع التواصل مع رانيا وعائلتها، وغابت أخبارهم أيامًا، قبل أن يبلغ أحد الجيران شقيقها حسان بأن رانيا وأطفالها الستة ومجدولين القاضي قد اعتُقلوا، لتصبح العائلة كلها خلف القضبان.

 مجدولين القاضي، التي اعتُقلت إلى جانب رانيا العباسي وأطفالها 

 

 مأساة الأطفال..

حين يصبح الاحتجاز عقابًا مضاعفًا

ظلّ احتجاز الأطفال الستة أكثر عناصر القضية مأساوية. وإلى جانب ما وثّقته شهادات عن الأوضاع القاسية داخل المعتقلات، شكّل فصل الأطفال عن أمهاتهم انتهاكًا أكثر وحشية: فبدلًا من الإفراج عنهم وتسليمهم لأسرهم، نُقل كثير منهم، وفق شهادات حقوقيين وناجين، إلى أماكن مجهولة دون موافقة الأم أو تمكينها من معرفة مصير أطفالها، لتعيش الأمهات خوفًا مضاعفًا وترقبًا لا ينتهي.

كيف تمت عملية اعتقال رانيا العباسي؟

في محاولة لفهم ما جرى، يعيد برنامج “مختفون” عبر التلفزيون العربي بناء الخريطة الأمنية لمنطقة مشروع دُمّر في تلك الفترة، ويحدد الحواجز المحيطة بها.

وبناءً على تقاطع شهادات متعددة، خلص فريق البرنامج إلى ترجيح مسؤولية عناصر “سرية المداهمة” التابعة للأمن العسكري عن اعتقال العائلة.

وتؤكد إفادات وصول عدد من السيارات المرتبطة بتلك السرية، بينها سيارة “ستيشن” بيضاء، إلى محيط المجمع السكني الذي تقطنه رانيا العباسي.

 الخريطة الأمنية لمنطقة مشروع دُمّر وقت اختفاء رانيا العباسي وعائلتها

وبالفعل، خصل فريق البرنامج من مصادر خاصة على تفاصيل حول قادة دوريات يُعتقد أنهم شاركوا في المداهمة، وهم: المساعد أول سلامة عديرة، حسان الخطيب، وعبد الحليم كاظم الملقب بـ”أبو كاظم”.

لكنّ أكثر ما أثار الانتباه، وفق الشهادات، هو معرفة “أبو كاظم” المسبقة برانيا العباسي، إذ يُقال إنه كان يتردد على عيادتها لمعالجة أسنانه، ما يرجّح امتلاكه معلومات تفصيلية عن تنقلاتها ووقتها اليومي.

غموض كامل.. ولا رواية رسمية

أحاطت أجهزة الأمن في النظام السابق اعتقال العائلة بغموض تام: لم تصدر رواية رسمية عمّا حدث، ولم يُكشف عن مكان احتجازهم أو مصيرهم، ولم يرد حتى اعتراف صريح بإخفائهم.

ومع اتساع دائرة الخوف، لم يعد أمام العائلة سوى تتبّع شهادات الناجين، بحثًا عن أي أثر.

يروي بعض الناجين أنهم شاهدوا عبد الرحمن الياسين ورانيا العباسي في معتقلات مختلفة، فيما أشارت شهادات أخرى إلى وجود العائلة في فروع أمنية خلال سنوات لاحقة، من دون أن تتحول هذه الروايات إلى دليل حاسم.

وفي تلك الأثناء، أطلقت منظمات حقوقية حملات تضامن دولية مع العائلة، وأرسلت منظمة العفو الدولية رسائل مباشرة لرأس النظام السوري (السابق) وعدد من المسؤولين الآخرين تطالب بالكشف عن مصيرهم.

كما وصل الملف إلى السياسة الدولية، إذ تصدرت قصة رانيا العباسي حملة لوزارة الخارجية الأميركية للفت الانتباه إلى مصير آلاف المختفين قسرًا، فيما حاولت شخصيات من المعارضة طرح القضية خلال جولات التفاوض في أستانا.

وقد أطلقت المنظمات الحقوقية في ذلك الحين حملات عالمية للتضامن مع العائلة، كما أرسلت منظمة العفو الدولية رسائل مباشرة لرأس النظام السوري (السابق) وعدد من المسؤولين الآخرين تطالب فيها بالكشف عن مصيرهم.

وقد وصل صدى تلك الحملات إلى أروقة السياسة الدولية اذ تصدرت قصة العائلة حملة أطلقتها الخارجية الأميركية سعيًا للكشف عن مصير آلاف المختفين والمغيبين قسرًا فيما حاولت شخصيات من المعارضة طرح ملف رانيا العباسي وعائلتها في جولات التفاوض مع نظام الأسد في أستانا.

عقدٌ ثقيل.. والأسئلة هي نفسها

 مضت سنوات طويلة على اعتقال رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة ومساعدتها مجدولين القاضي على يد شعبة المخابرات العسكرية، من دون أي أثر مؤكَّد لهم. ومع سقوط النظام السوري، لم تظهر إجابات قاطعة عن مصير العائلة حتى اليوم.

فهل كبر الأطفال وتبدلت ملامحهم؟ ما حال ديما وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان الآن؟هل افترقوا عن والدتهم، أم ظلوا معها، أم أن المجهول ابتلع الجميع؟

  القصة الكاملة لاختفاء الطبيبة وبطلة الشطرنج السورية رانيا العباسي وعائلتها، والشهادات المرتبطة بقضيتها في فيديو الحلقة المرفقة من برنامج “مختفون” عبر التلفزيون العربي.

gy. vhkdh hgufhsd ,uhzgjih>> rwm Yp]n Haiv rqhdh hghojthx hgrsvd td s,vdh

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم اجعلني لك ذكارًا شكارًا مطواعًا مخبتًا أوابًا