37.2 مليون مهاجر من البلدان العربية.. ماذا تقول الأرقام؟

يعبر آلاف الأشخاص كل عام حدود بلدانهم حاملين قصصهم وطموحاتهم وآمالهم بمستقبلٍ أفضل، في ظاهرةٍ تتفاقم بفعل النزاعات والكوارث الطبيعية وتطرّف المناخ. وتغدو الهجرة خيارًا واقعيًا حين تضيق سبل العيش أو تصبح حياة الفرد مهدَّدة جرّاء عنفٍ أو قمعٍ أو غضبٍ تطلقه الطبيعة.
تُعرِّف الأمم المتحدة “المهاجر الدولي” بأنه أي شخص غيّر بلد إقامته، بغضّ النظر عن وضعه القانوني أو طبيعة تنقّله أو دوافعه. وتُخصِّص يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام يومًا دوليًا للمهاجرين.
يسلّط اليوم العالمي للمهاجرين الضوء على حركة بشرية تتسع عالميًا، وتترك بصمتها بوضوح على المنطقة العربية بالأرقام والاتجاهات
وبلغ عدد المهاجرين الدوليين في العالم 304 ملايين في عام 2024، وفقًا لشعبة السكان التابعة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. وهو ما يقارب ضعف الرقم المسجَّل منذ عام 1990، حين قُدِّر عددهم بنحو 154 مليون مهاجر دولي.
ويُشكِّل المهاجرون الدوليون 3.7% من سكان العالم، بعد أن ارتفعت نسبتهم ارتفاعًا طفيفًا من 2.9% عام 1990. كما شكّلت النساء 48% من إجمالي المهاجرين الدوليين.
تورد قوانين العمل في 5 دول عربية فقط مادة تحظر التمييز بين العمال على أساس الجنسية- غيتي
ومع نهاية يونيو/ حزيران 2025، بقي ما مجموعه 117.3 مليون شخص حول العالم في عداد النازحين قسرًا نتيجة للاضطهاد أو الصراعات أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الأحداث التي تُخلّ بالنظام العام على نحوٍ خطير، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويمثّل ذلك انخفاضًا بنسبة 5% في عدد اللاجئين والنازحين مقارنةً بنهاية عام 2024.
الهجرة العالمية في لمحة
-
304 ملايين مهاجر دولي حول العالم (2024)
-
3.7% من سكان العالم
-
48% من المهاجرين نساء
-
117.3 مليون نازح قسرًا حتى نهاية يونيو/ حزيران 2025
تعرّف الأمم المتحدة المهاجر الدولي بأنه أي شخص غيّر بلد إقامته، بغضّ النظر عن وضعه القانوني أو طبيعة تنقّله أو دوافعه، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية.
الهجرة داخل العالم العربي
لا تزال الهجرة داخل المنطقة العربية واسعة، وفق تقرير“حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية لعام 2024”. فقد هاجر 37.2 مليون شخص من البلدان العربية، بينهم 18.1 مليونًا إلى بلدان عربية أخرى. وبلغ معدل الهجرة داخل المنطقة 47.5% في عام 2024، مقارنةً بـ58.5% في عام 2010، ما يعكس تبدّلًا في اتجاهات الحركة داخل الإقليم خلال السنوات الأخيرة.
اتخذت هذه الهجرة أنماطًا مختلفة؛ إذ يبقى نحو نصف المهاجرين واللاجئين المنتقلين بين الدول العربية داخل الإقليم دون الإقليمي نفسه. وفي المقابل، انتقل 74% من المهاجرين من البلدان العربية الأقل نموًا إلى بلدان مجلس التعاون الخليجي. ويُشكّل المهاجرون من وسط وجنوب آسيا نحو نصف المهاجرين القادمين إلى المنطقة العربية، ما يبرز حضورًا كبيرًا لعمالة وافدة من خارج الإقليم في أسواق العمل العربية.
بالأرقام | الهجرة من وإلى المنطقة العربية
-
37.2 مليون مهاجر من البلدان العربية
-
18.1 مليونًا إلى بلدان عربية أخرى
-
47.5% معدل الهجرة داخل المنطقة (2024)
-
74% من المهاجرين من البلدان الأقل نموًا اتجهوا إلى دول الخليج
-
13.8 مليون مهاجر إلى أوروبا خلال العقد الماضي
طلاب التعليم العالي: تنقّل متصاعد
خلال العقد الماضي، استقبلت أوروبا عددًا متزايدًا من المهاجرين واللاجئين القادمين من المنطقة العربية، ليصل عددهم إلى 13.8 مليون مهاجر، وفق التقرير.
وفي موازاة ذلك، تسجّل البلدان العربية معدلات أعلى من المتوسط العالمي في تنقّل طلاب التعليم العالي، سواء بين الوافدين إلى المنطقة أو المغادرين منها، مع ارتفاعٍ ملحوظ في النسب خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، غادر أكثر من 650 ألف طالب البلدان العربية عام 2022 لمتابعة التعليم العالي في الخارج.
هجرة اليد العاملة: ثقل اقتصادي
تُعدّ هجرة اليد العاملة عنصرًا محوريًا في مشهد الهجرة بالمنطقة العربية. فقد استقبلت 18 دولة عربية 34.3 مليون عامل مهاجر في عام 2022، يُمثّلون 14.2% من عدد العمال المهاجرين حول العالم، وفق منظمة العمل الدولية. وفي العام نفسه، شكّل المهاجرون أكثر من ثلث اليد العاملة في البلدان العربية، ويعمل غالبيتهم في قطاع الخدمات، بما يعكس اعتمادًا مرتفعًا على العمالة الوافدة في قطاعات حيوية.
هجرة اليد العاملة في أرقام
-
34.3 مليون عامل مهاجر في 18 دولة عربية (2022)
-
14.2% من إجمالي العمال المهاجرين عالميًا
-
أكثر من ثلث اليد العاملة في البلدان العربية من المهاجرين
-
الغالبية تعمل في قطاع الخدمات
يُنتج عمل هؤلاء عائدات اقتصادية تُترجم إلى تحويلات مالية. وتتلقى 7 بلدان عربية أكثر من 50% من تحويلاتها من المهاجرين المقيمين في بلدان عربية أخرى، بينما ترسل 8 دول عربية أكثر من 50% من تحويلاتها إلى بلدان عربية أخرى، ما يبرز تشابكًا ماليًا داخل الإقليم مرتبطًا بحركة العمل والتنقّل.
النزاعات والكوارث: نزوح ولجوء مستمران
دفعت حدة الاحتلال والنزاعات الطويلة الأمد والكوارث الطبيعية أعدادًا كبيرة إلى الهجرة والنزوح الداخلي، كما أثّرت في مسارات التنمية داخل المنطقة. ففي عام 2023، استضافت البلدان العربية نحو 3.26 ملايين لاجئ مسجَّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، مثّل 64% منهم القادمون من بلدان عربية أخرى.
في العام نفسه، كان ثلث النازحين داخليًا في العالم يقيمون في المنطقة العربية. وقد ارتفع عدد هؤلاء إلى ثلاثة أضعاف مقارنةً بعام 2010 ليبلغ 28 مليونًا. كما استضافت المنطقة العربية نحو 6 ملايين لاجئ من فلسطين في عام 2023.
النزاعات تصنع الهجرة
🔴 3.26 ملايين لاجئ مسجَّل في البلدان العربية (2023)
🟣 64% منهم من بلدان عربية أخرى
🔵 ثلث النازحين داخليًا في العالم يقيمون في المنطقة العربية
🟢 28 مليون نازح داخليًا في المنطقة
⚪ نحو 6 ملايين لاجئ من فلسطين
الهجرة في سياسات التنمية: أين تقف الدول العربية؟
يدفع هذا الواقع دول المنطقة إلى دمج قضايا الهجرة في سياسات التنمية لمواجهة التحديات والاستفادة من الفرص التي يتيحها التنقّل البشري. وتُدرج 20 دولة من أصل 22 دولة عربية المهاجرين في سياسة تنموية واحدة على الأقل، فيما تتبنى 3 دول عربية فقط استراتيجيات وطنية للهجرة.
تورد 8 دول عربية المهاجرين في رؤى أو خطط التنمية الوطنية، فيما تشير 3 دول فقط إلى التحويلات المالية ودور المغتربين. وفي معظم الدول العربية، لا تشير قوانين وسياسات التعليم والصحة إلى المهاجرين بشكلٍ واضح.مو
تورد قوانين العمل في 5 دول عربية فقط مادة تحظر التمييز بين العمال على أساس الجنسية. وسنّت دولتان فقط أحكامًا تتناول المهاجرين في قوانين الصحة، بينما تنص الاستراتيجيات التعليمية في 3 دول فقط على إتاحة التعليم للمهاجرين.
في ما يخص التقديمات المالية، تقدّم 10 دول عربية معاشات الشيخوخة للمهاجرين، ولا تقدّم إعانات البطالة لهم سوى 3 دول. وفي 14 دولة عربية، تُستثنى العمالة المنزلية من قوانين العمل، ما يسلّط الضوء على فجواتٍ تشريعية تمسّ فئات واسعة من العمال الوافدين.
الهجرة في السياسات العربية
-
20 دولة عربية تُدرج المهاجرين في سياسة تنموية واحدة على الأقل
-
3 دول فقط لديها استراتيجيات وطنية للهجرة
-
5 دول فقط تحظر التمييز على أساس الجنسية في قوانين العمل
-
14 دولة تستثني العمالة المنزلية من قوانين العمل
سوق العمل والتكنولوجيا: مهارات تعيد رسم الهجرة
يتأثّر مشهد الهجرة في العالم العربي بالتغيّرات التي تطرأ على سوق العمل بفعل التقدّم التكنولوجي السريع. قد يفتح هذا التحوّل فرصًا اقتصادية جديدة يمكن للبلدان الاستفادة منها، لكنه قد يشكّل تحديًا لدول أخرى، خصوصًا مع اشتداد المنافسة على الموارد البشرية وتبدّل الطلب على المهارات.
يشير التقرير إلى تأخر الدول العربية في تزويد سكانها بالمهارات التي يحتاجونها في عالم العمل الجديد، بسبب التأخر في اعتماد التكنولوجيات الحديثة، وقصور أنظمة التعليم، وضعف بيئة العمل. وفي ضوء ذلك، تتوقع الأمم المتحدة ارتفاع حركة المهاجرين باتجاه الدول التي تكيفت مع الفرص المتغيّرة واتجاهات العمل العالمية الجديدة، مقابل احتمال زيادة هجرة ذوي المهارات المتوسطة والمنخفضة من الدول التي لم تتكيف مع هذا التغيير.
تغيّر المناخ والانتقال العادل: وظائف ومسارات جديدة
يلحظ التقرير أيضًا تأثير تغيّر المناخ و“الانتقال العادل” في مستقبل العمل وأنماط الهجرة. ويشير مفهوم “الانتقال العادل” إلى التحوّل من اقتصاد قائم على الوقود الأحفوري إلى اقتصاد أخضر منخفض الانبعاثات، من دون أن يدفع العمال والفئات الهشّة الثمن.
دفع الاحتلال والنزاعات الطويلة الأمد والكوارث الطبيعية بأعداد كبيرة من المهاجرين والنازحين داخليًا- غيتي
يؤدي هذا الانتقال إلى ظهور صناعات وفرص عمل جديدة تتطلب مهارات جديدة على مختلف المستويات، بما في ذلك استخدام التكنولوجيات الخضراء، والممارسات الزراعية المستدامة، وتطوير البنية التحتية.
يتراوح المعدل الصافي لتوفير فرص العمل، بحسب التقديرات، بين معدلٍ ضئيل إذا ظلّت البلدان العربية غير منخرطة في عملية الانتقال بمجال الطاقة، وإمكان توفير 10 ملايين وظيفة بحلول عام 2050 إذا تبنّت البلدان العربية سياسات صناعية قوية وربطت المناخ بسياسات التنمية.
توصيات لتحسين حوكمة الهجرة
يقدّم التقرير مجموعة توصيات سياساتية تُعدّ خارطة طريق قابلة للتنفيذ لتحسين حوكمة الهجرة والاستفادة من عائداتها الإنمائية، وهي:
- استعداد بلدان المنشأ والمقصد لمستقبل العمل المتوقع لزيادة مساهمة العمال المهاجرين في التنمية إلى أقصى قدر ممكن.
- بناء أنظمة بيانات شاملة بشأن تدفقات الهجرة واتجاهاتها وأنماطها لتوجيه وضع السياسات والتخطيط استنادًا إلى الأدلة.
- تنمية القدرة على التعاون بين المناطق في ما يتعلق ببيانات الهجرة.
- دمج الهجرة في جميع خطط التنمية القطاعية ذات الصلة.
- وضع سياسات وطنية للهجرة تحمي حقوق المهاجرين بمعزل عن وضعهم من حيث الهجرة.
- ضمان اتساق السياسات بما يكفل عدم إهمال أي مهاجر والاستفادة من المكاسب الإنمائية للهجرة.
- تعزيز إمكانات المهاجرين للمساهمة في التكيف مع متطلبات سوق العمل المتغيّرة.
- تزويد الطلاب بالمهارات الفنية لمساعدتهم على الحصول على وظائف في بلدانهم وفي الخارج.
- دعم المهاجرين وحمايتهم لتمكينهم من المساهمة في التنمية.
- إشراك المغتربين في جهود التنمية.
تبقى قضية الهجرة في العالم العربي ظاهرة متعددة الأبعاد تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لتصنع واقعًا معقدًا يدفع الملايين إلى البحث عن فرص حياة أفضل داخل بلدانهم أو خارجها. وبينما تستمر التحديات المتمثلة في البطالة والصراعات وعدم الاستقرار في دفع موجات الهجرة، يبقى على الدول العربية العمل على معالجة جذور الظاهرة عبر تحسين ظروف العيش، وتطوير سياسات عادلة لإدارة التنقل البشري، وتعزيز التعاون الإقليمي.


