حميد كوره جي: إيران بين سراب الماضي وواقعية التحول الصامت

يرى حميد كوره جي أن إيران لا تقف بين البقاء والسقوط فقط، بل داخلها مسار تآكل بطيء: اندماج نخب، هامش اجتماعي متزايد مقابل تشدد أمني، مع احتمال “هبوط ناعم”.
تعيش إيران مرحلة سياسية واجتماعية لا تشبه الثنائية القديمة بين “البقاء أو السقوط”. في قلب المشهد، يبرز ما يمكن تسميته تحولًا صامتًا أكثر منه صخبًا تنظيريًا.
يقول حميد كوره جي إن ضجيج النقاشات في المنفى حول عودة الملكية كحل “مدني” لا يلتقط وحده ما يجري في الداخل.. فالمسألة، بحسب قراءته، ليست مجرد سؤال شكل الحكم، بل سؤال عن كيفية تشكّل المجتمع بعد سنوات من شدّ وجذب: ثورة عام 1979 لم تكن حدثًا عابرًا، بل انتفاضة شعبية ارتبطت يومها برفض منظومة طبقية وتفاوتات واضحة في توزيع النفوذ والفرص.. من هنا، يصطدم طرح “العودة” — كما يصفه — بحائط التاريخ والواقع، لأن الحنين الذي يراه البعض ليس بالضرورة حبًا لنظام “بهلوي” بحد ذاته.
في تقدير كوره جي، كثير من الشباب الذين يلتقطون فكرة “رموز الماضي” يفعلون ذلك لأنهم يعترضون على حاضرهم، لا لأنهم يبحثون عن استبداد آخر متشابه في الجوهر.. الإيراني الرافض للقمع اليوم قد لا يملك رغبة حقيقية في العودة إلى نموذج بعينه، لكنه يطلب مساحة مستقبل لا تُبنى على إرث رمزي سبق أن لفظته قطاعات واسعة من المجتمع.. لذلك، يصبح الحديث عن بديل “مدني” غير كافٍ إن لم يجيب عن سؤال أعمق: لماذا فشلت وعود التحرير في الداخل؟ ولماذا بقيت السلطة في موقع السيطرة بينما تبدّلت الظروف؟
تفسير كوره جي يذهب إلى حيث تتغير البنية دون أن تعلن عن نفسها: النظام، بحسب هذا المنظور، لم يعد كتلة صماء.. فالمؤسسات العقائدية— وعلى رأسها ما يسميه “الحرس القديم”— بدأت تتعامل مع منطق “غريزة البقاء” بوصفها ضرورة عملية، لا شعارًا أيديولوجيًا.. هنا يظهر “التآكل” الذي يقصده الكاتب: تخلي تدريجي عن نقاوة العقيدة لصالح براغماتية تحفظ الاستمرار.
هذا المسار ينعكس في شكل اندماج نخب قديمة في الطبقة الوسطى المنشودة.. يتحول بعض الثوار القدامى— وفق القراءة نفسها— إلى مديري شبكات اقتصادية وكارتيلات، فيما يصبح أبناء تلك النخب جزءًا من نسيج اجتماعي يطالب بالانفتاح والرفاهية.. النتيجة ليست انفصالًا عن السلطة بقدر ما هي إعادة تموضع: قبضات الحكم تظل موجودة، لكن طريقة إدارتها تتبدل، ويتقلص الضيق الذي كان يُفرض على الحياة اليومية.
ومن دلائل هذا التحول “ارتخاء” تدريجي غير رسمي في بعض جوانب الضبط الاجتماعي.. يلمّح حميد كوره جي إلى تراجع في فرض الحجاب بدرجات متفاوتة، وعودة مساحة لبعض المعارضين والمثقفين.. غير أن هذا الارتخاء لا يعني— في نظره— تراجعًا بنيويًا، بل هو جزء من معادلة محسوبة.. فالنظام، حين يمنح هامشًا للحياة الخاصة، يشدّ بالمقابل “العصا الأمنية” حول المعارضة المنظمة.
ويبدو هذا واضحًا في كيفية التعامل مع خصوم يُقدَّمون بتهم مثل التجسس والخيانة، خاصة في ظروف الحرب.. كوره جي لا يقرأ هذه الإجراءات بوصفها أمنًا فقط، بل استراتيجية لزرع اليأس: تقليص احتمالات التغيير الراديكالي عبر رفع كلفة التحرك.. في المقابل، تُطرح للناس فكرة بديلة أكثر قبولًا: تغيير بطيء بدل القفز، لأن ثمن القفز— وفق المنطق القائم— قد يتحول إلى الموت داخل اتهام رسمي كبير.. هكذا تُصبح المقايضة اليومية بين الحياة الخاصة والولاء السياسي المطلق وسيلة لإعادة تشكيل المزاج العام.
ضمن هذه الصورة، يرى الكاتب قدرة على “إعادة إنتاج” النظام عبر تركيب مزدوج: الرعب من جهة، والاحتواء من جهة أخرى.. الهدف، بحسب التحليل، هو أن يبقى الهيكل سياسيًا، بينما يتغير ملمحه الاجتماعي.. لذلك، لا يستبعد كوره جي أن تتجه إيران إلى سيناريو “هبوط ناعم” يشبه— من حيث الشكل العام— النموذج الصيني أو الفيتنامي، حيث لا يطيح الحدث السياسي بضربة واحدة، بل تتبدل وظيفة النظام ومحتواه تدريجيًا.
الجوهر في هذا السيناريو هو عقد اجتماعي جديد يُدار بعقلية “الخبز والكرامة” أكثر من “الشعارات السياسية”.. يتوقع الكاتب أن المواطن قد يجد ما يريده على مستوى الاستقرار الاقتصادي وفرص العمل (الخبز)، وما يريده على مستوى هامش الحريات الاجتماعية والخصوصية (الكرامة)، مع إبقاء أوهام قومية تغذي شعور عظمة الدولة وقوتها الإقليمية.. في مقابل ذلك، تظل السلطة العليا بيد نخبة براغماتية تتخلى عن راديكاليتها مقابل ضمان مصالحها واستمراريتها.
لكن يبقى سؤال أكبر: هل تمنح هذه المعادلة فعلاً مخرجًا مستقرًا للمجتمع، أم أنها مجرد إدارة للاحتقان؟ كوره جي يميل إلى القول إن إيران لن تعود إلى زمن التاج، ولن تبقى أيضًا حبيسة زمن العمامة المتشدد إلى الأبد.. البديل— في رأيه— لا يُصنع في خطابات النخب وحدها، بل “يُطبخ” في الشوارع ومكاتب الشركات الاقتصادية، حيث تفرض الحاجة للعيش الطبيعي نفسها على المسار العام.. وهنا تتضح فكرة التحول من “الدولة الثورية” إلى “دولة قومية براغماتية”، يصبح فيها البقاء هدفًا أعلى، وتُنتزع الحريات بالتراكم لا بالهتاف فقط.
من زاوية أثر يومي، قد يشعر كثيرون بأن حياتهم ليست كلها رهينة القرارات الأيديولوجية كما في السابق: مساحة أوسع للخصوصية، وتخفف في بعض القيود التي كانت تُترجم إلى توتر دائم.. ومع ذلك، يظل عنصر الخوف حاضرًا عندما يتعلق الأمر بالعمل السياسي المنظم، لأن التوازن— كما تصفه القراءة— لا يسمح بتلاشي قبضة الأمن بالكامل.. هذا النوع من التعايش بين “احتواء” اجتماعي و”ردع” سياسي هو ما قد يطيل عمر الوضع الحالي، لكنه أيضًا قد يخلق توقعات جديدة لدى الناس: إن كانت الحياة اليومية تتحسن، فمتى تتحسن الحقوق؟