حامد الضبياني: العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل

قراءة سياسية حادة لمأزق العراق: الدولة تتآكل تدريجيًا، والسلاح يتحول إلى نفوذ موازٍ، والحديث عن قرارات حاسمة يصطدم بمن يملك التنفيذ.
ليس أخطر ما في الأوطان أن تُحتل، بل أن تعتاد فكرة الاحتلال حتى وهي ترفع علمها في الساحات. والعراق اليوم يثير سؤالًا مؤلمًا: هل نحن أمام انهيار مفاجئ أم أمام تآكل بطيء لا يلاحظه الجميع إلا بعد أن تتغير التفاصيل.
في مقاربة حامد الضبياني، تبدو الدولة في العراق ليست جسدًا واحدًا يُسقط دفعةً واحدة، بل كقطعة سكر تذوب داخل فوضى طويلة.. لا أحد يشهد لحظة الذوبان، لكن الجميع يتذوق مرارة النتيجة.. هنا، لا تُقدَّم الميليشيات كطارئٍ عابر بقدر ما تُفهم كنتاج فراغ طويل في معنى الدولة؛ حين يصبح السلاح “فكرة” قبل أن يكون أداة، وتتحول الهيبة إلى ذكرى تُستحضر في الخطب أكثر مما تُرى في الشوارع.
يعرض النص صورة قاسية لفرقٍ واسع بين الكلمات والواقع.. فالحديث عن “قرار حاسم” و“ترتيبات لمعالجة الواقع” — كما تصفه الورقة — يشبه إعلان المطر في صحراء اعتادت الغبار: ثقة تُقال، لكنها لا تجد طريقها إلى الأرض.. جوهر المشكلة، وفق هذا المنطق، لا يكمن في صياغة القرار وحدها، بل في سؤال أقدم وأعقد: من يملك التنفيذ؟ ومن يسمح له أن يمضي؟ لأن الدولة لا تُقاس بنصوصٍ تُكتب فقط، بل بقدرتها على تحويل النص إلى واقع.
الكاتب يضع العراق في منطقة رمادية: لا دولة كاملة ولا فوضى مكتملة.. هذا الوسط الهجين، كما يوحي، يقوم على توازن هش بين الانفجار المؤجل والهدوء الكاذب.. واللبننة التي تُخشى عادةً بوصفها تهديدًا مستقبليًا، تتحول — في هذا السرد — إلى واقع يتشكل بهدوء: تعدد مراكز قوة، وتضارب ولاءات، و”دولة رسمية” تبدو كضيف ثقيل داخل بيت لم يعد لها.
ومن زاوية أخرى، تبرز أزمة اختيار رئيس الوزراء بوصفها ليست مجرد خلاف أشخاص، بل أزمة نظام يفقد القدرة على إنتاج نفسه بشكل طبيعي.. حين تتحول المناصب إلى غنائم، يتبدل معنى السؤال السياسي: لا يعود “من يحكم؟” وحده، بل “من يُسمح له أن يحكم؟”.. في هذا المشهد، يصبح الشعب أقرب إلى متفرجٍ على مسرحية يعرف نهايتها، لكنه يظل داخل القاعة؛ يراقب التبديل في الوجوه بينما تتكرر القواعد القديمة التي تُنتج النتائج نفسها.
أما التغيير نفسه، في تقدير النص، فلا يملك سحرًا تلقائيًا.. فالتبديل في العراق يشبه — كما يرد — تبديل الأقنعة في حفلة تنكرية: الوجوه قد تكون ذاتها، لكن الألوان تختلف.. لذلك، لا يكفي تشكيل حكومة جديدة إن كانت محاطة بسلطات موازية تفوقها نفوذًا وسلاحًا وتأثيرًا.. ولا يمكن للإصلاح أن يولد في بيئة تكافئ الفوضى وتعاقب النظام؛ أي أن المشكلة ليست “من يحكم” فقط، بل “ما الذي يُكافأ” داخل منظومة النفوذ.
ومع ذلك، لا يقدّم النص قدرًا نهائيًا مغلقًا.. يصرّ على وجود قدرة عراقية على النجاة دون أن يتعلم دائمًا من أسباب السقوط.. يسقط البلد دون أن ينكسر، لكنه أيضًا لا يقف على رجليه كما ينبغي.. هناك استعداد للبقاء في المنتصف: لا انهيار كامل، ولا نهوض حقيقي.. وهذا تحديدًا ما يجعل المشهد أكثر إيلامًا للناس؛ لأن الانتظار يصبح نمط حياة، لا مرحلة مؤقتة.
المدخل الأهم الذي تتركه مقاربة حامد الضبياني هو أن الخطوة المقبلة قد لا تكون قرارًا سياسيًا بقدر ما تكون لحظة وعي — إن حدثت.. لحظة يدرك فيها الجميع أن الدولة ليست ترفًا ولا خيارًا مزاجيًا، بل ضرورة وجود.. لحظة يفهم فيها المجتمع أن السلاح خارج الدولة لا يحمي، بل يؤجل الانفجار.. وفي الخلفية، يلوح سؤال اليوميّات: الشعب الذي صبر طويلًا لا يحتاج — فقط — إلى خطابات جديدة؛ يحتاج إلى واقع مختلف ينعكس في الخدمات والامن والعدالة ووضوح القواعد.
ومهما بدت تلك اللحظة بعيدة، يبقى العراق يمشي على حافة الاحتمالات، يفاوض مصيره كل يوم، ويكتب تاريخه بالحبر نفسه الذي كُتبت به مآسيه: مزيج من أملٍ ساذج وخذلان متكرر. وفي النهاية، يطرح النص سؤالًا جوهريًا لا يليق بأن يبقى معلّقًا: كم مرة يمكن لوطن أن ينجو من نفسه قبل أن يقرر أخيرًا أن يعيش؟