Iraq News

بيت أبي – آمنة تباني مفتاح الذاكرة والوفاء الصامت

تكتب آمنة تباني عن مفتاح بيت والدها كعربون وفاء لوطنها الأول: الصمت والغبار يملآن المكان، لكن الجدران تظل تحفظ الطيف والذاكرة.

عندما تخرجون من بيتٍ تعلّمتم فيه معنى الدفء الأول، قد لا تكون المشكلة في المسافة بقدر ما هي في الفكرة التي تقيم داخل الصدر: هل يغلق البيت علينا أم يبقى مفتوحًا بطريقة ما؟

عندما همّت آمنة تباني بمغادرة بيت والديها، كانت حريصة على أن تأخذ معها نسخة من مفتاح بابه.. لم يكن ذلك لتستعمله عند الحاجة، بل لتضع، في جيبها، عربون وفاء لوطنها الأول؛ هناك كان مطعمها ومشربها ومرقدها، وفيه تشكّلت هشاشتها الإنسانية حتى صارت جزءًا من وعيها، أو كما تقول بعبارة داخلية حادة: “استويت فيه على ساق الوعي”.. وعلى امتداد الأيام، ما زال المفتاح — نسخة لامعة حادة الحواف — يئن في كفّها حين تستخرجه من محفظتها، كأنه يعاتبها على ترك عتبة كانت المبتدأ والمنتهى.

منذ أوصدت الأبواب ومضت نحو حياة جديدة، صار بيت والدها يقتات على الصمت.. يغزوه الغبار مثل شَيب وقور يكلل ملامح عجوز حكيم فرز العمر وساس تقلباته.. غير أن الصمت هنا ليس فراغًا مطلقًا؛ إنه مساحة تُسمع فيها الأشياء بصوت خافت.. تلتقط آمنة صرير الأبواب وهو يهمس بأسماء الراحلين، وتستدعي هيئة الأثاث الخشبي المهيب وكأنه أنصاب مقدسة أو جنود صامدين أنهت الحرب ولم تنههم الذاكرة.. تحسس التفاصيل يصبح فعلًا واعيًا: الزوايا، الذكريات، مواضع الأشياء التي كانت تحمل معنى قبل أن تُصبح مجرد ممتلكات.

في هذا البيت، يبدو أن الحركة تُستعاد دون أن تُمارَس.. الضحكات التي كانت تنطلق في بهوه لا تختفي فجأة، بل تنتقل إلى طبقة أخرى: طبقة لا يراها أحد، لكنها تبقى حيّة لمن يعرف كيف ينصت.. وحين تقف آمنة عند حافة النافذة، لا يزال في ذلك المكان ترسّب أحلامها الصغيرة التي لم يبتلعها النسيان.. إن الصورة هنا ليست رومانسية زائدة عن الحد، بل منطق نفسي دقيق: بعض الأحلام لا تُنسى لأنها لم تكن مجرد رغبة آنية، بل كانت جزءًا من طريقة الإنسان في تفسير العالم.

قد تبدو قصة المفتاح بسيطة من بعيد، لكن معناها الداخلي أوسع من معدنٍ يلمع.. المفتاح، في سرد آمنة، يتحول إلى علامة ذاكرة: قطعة ملموسة تربط بين حياة رحلت وحياة قادمة.. وفي زمن تُعاد فيه صياغة الروتين يومًا بيوم، يصبح الحفاظ على هذا النوع من الرموز وسيلة لضبط الإحساس بالانتماء.. ليس شرطًا أن تَملك حق فتح الباب كي تستمر العلاقة؛ يكفي أن يحمل جيبك دليلًا على أنك كنت هناك، وأن “الآن” لا يمحو “كان”.

وهنا تأتي الفكرة الأكثر وضوحًا: البيوت لا تُغلق أبوابها على الفراغ عندما نرحل.. آمنة تقول إن البيت يمارس وفاءه الصامت؛ يخبئ طيوف أرواحنا، نبرات أصواتنا، وتفاصيل أرواحنا في مسام جدرانه.. لكن هذا الوفاء ليس دعوة للوقوف عند الماضي بلا نهاية، بل تذكير بأن الحياة تُبدّل شكلنا لا جوهر ما تعلّمناه.. نحن — كما تخلص — من يتلاشى تدريجيًا، نذبل بالتقسيط؛ خصلة من ضوء كانت تملأ الزوايا كلما انفرطت من ذاكرتنا.

اللافت أن هذا النص يضع العلاقة مع البيت ضمن معادلة إنسانية: البيت يحفظ، لكننا نحن من نفقد.. لذلك تتحول الزيارة الداخلية — استرجاع الممرات، لمس تفاصيل الزوايا، استحضار قطع الديكور أو صينيات نحاسية بأحجامها وأشكالها — إلى نوع من المقاومة الهادئة ضد التآكل.. حين تُجدّد آمنة عهد لقاءها الروحي بالمكان، فهي لا تسترجع أثاثًا فقط؛ تسترجع طريقة إحساسها بنفسها يوم كانت تُصنع ببطء داخل تلك الجدران.

ربما لهذا السبب يُصبح المفتاح في النهاية أكثر من شيء.. إنه يختصر نزاعًا صامتًا بين الحنين والقدرة على المضي.. فالخارج يتطلب انتقالًا، والداخل يتطلب حفظًا.. وبين انتقال الحياة وصمت البيت تقف آمنة لتقول، دون صياغة خطابية، إن الوداع لا يعني الانقطاع تلقائيًا.. الوداع قد يعني فقط أن الحب يغيّر وسائله: من الباب الذي يُفتح إلى الذهن الذي يُنصت، ومن الخطوة التي تذهب إلى خطوة تُستدعى في الذاكرة.