المواجهات الإقليمية ومراكز القوى في إسرائيل

تحليل لتعيين رئيس الموساد الجديد رومان جوفمان، وتأثير الصراع بين الولاء السياسي لنتنياهو واستقلالية المؤسسات الأمنية في ظل التوترات الإقليمية.
دخل رئيس الموساد الجديد رومان جوفمان على خط الصراع السياسي الدائر في إسرائيل، ما يؤكد استمرار وهيمنة الدولة العميقة على مفاصل القرار في المناصب العليا.. وتكشف التطورات الأخيرة عن وجود «منتدى الخدمة المدنية» الذي يضم قيادات تسعى للهيمنة على التعيينات الكبرى، متجاوزة في ذلك رغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي، لتعكس حالة من الصدام الصامت بين التوجهات السياسية ومراكز القوى داخل أروقة الدولة.
إن مراكز القوى في المجتمع الإسرائيلي باتت ظاهرة لافتة بعد تصاعد العمل العسكري وتوسعه ليشمل غزة ولبنان وإيران.. وفي ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على المشهد السياسي، تتزايد الدلالات على أن الدولة العميقة تحاول استرداد حضورها القوي، حيث أصبحت هذه المراكز تمارس تأثيراً مباشراً في الوسط السياسي والحزبي، مما يمنحها القدرة على عرقلة أو تمرير أي ترشيح استراتيجي بعيداً عن التوافق التقليدي.
صراع الولاءات والكفاءة داخل الموساد
كشفت معركة اختيار رومان جوفمان عن انقسام حاد؛ فهو مقرب جداً من نتنياهو ويعمل سكرتيراً في مكتبه، وهو ما اعتبره ضباط الموساد خروجاً عن العرف المهني.. يرى العاملون في الجهاز أن طبيعة مهامهم في سوريا وإيران تتطلب شخصية استخباراتية محترفة، وليس ضابط مدرعات يميل للعمليات العسكرية الخشنة.. هذا التباين دفع قوى غير رسمية لمحاولة عرقلة الاختيار عبر فتح ملفات قديمة للجنرال، في محاولة لإعادة تقييم مسيرته المهنية وضمان عدم تسييس الجهاز.
إن حالة التوجس التي تسود أوساط الاستخبارات نابعة من خشية أن يتحول الموساد إلى أداة تنفيذية في يد رئيس الوزراء، مما يهدد استقلالية المؤسسة الأكثر سرية في إسرائيل.. تاريخ جوفمان العسكري، وإصابته في أحداث السابع من أكتوبر، جعلا منه شخصية مثيرة للجدل، حيث يتخوف القادة الحاليون من أن يغلب نهج “تقدير الموقف الميداني” على “التكتيك الاستخباراتي” القائم على التكتم والعمليات النوعية طويلة الأمد.
تداعيات التسييس على الأمن القومي
تتجاوز قضية تعيين جوفمان كونها مجرد اختيار لشخصية أمنية، فهي تعكس أزمة ثقة أعمق داخل المؤسسات الإسرائيلية.. إن التداخل بين مكتب رئيس الوزراء والمناصب القيادية الحساسة يخلق حالة من عدم اليقين؛ إذ إن الولاء الشخصي أصبح المعيار الأول في الصعود الوظيفي، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل هيبة المؤسسات المستقلة.. ومن المحتمل أن تشهد المرحلة القادمة تدخلات من المحكمة العليا لفض الاشتباك بين السلطات، خاصة إذا استمر الرفض المهني لهذا التعيين.
بالنظر إلى المستقبل، فإن الحكومة الإسرائيلية تقف أمام تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين طموح الشخصيات الصاعدة وبين الحاجة الملحة لاستقلالية الأجهزة الأمنية.. إن استمرار هذا النزاع قد يقحم المؤسسات الأمنية في دوائر السياسة الداخلية المعقدة، وهو ما قد يضر بكفاءة الردع الاستراتيجي الإسرائيلي في وقت تتصاعد فيه التهديدات الإقليمية وتزداد فيه الحاجة إلى رؤية أمنية بعيدة عن التجاذبات الحزبية.