Morocco News

الذكاء الاصطناعي يهدد 1.5 مليون منصب شغل بالمغرب حتى 2030

تقرير يبرز أن الذكاء الاصطناعي قد يعرّض 1.5 مليون منصب للخطر بالمغرب بحلول 2030، مع فجوة تأهيل واسعة ونقص كفاءات رقمية، مقابل خلق محدود لوظائف جديدة.

يرتبط النقاش حول الذكاء الاصطناعي اليوم بسؤال بسيط: ماذا سيبقى من “العمل” كما عرفناه خلال سنوات قليلة؟

في قلب هذا السؤال، تشير تقديرات متداولة ضمن تقرير استراتيجي إلى أن المغرب قد يواجه موجة ضغط تحولي على سوق الشغل، بحيث تتعرض حوالي 1.5 مليون منصب لخطر “التقني المباشر” بحلول 2030.. وتأتي هذه الأرقام في سياق تسارع التحول التكنولوجي عالميًا، ما يجعل التحول المهني في المغرب أقرب إلى اختبار لقدرة الاقتصاد الوطني على التكيف دون ترك فئات واسعة خارج اللعبة.

بحسب المعطيات التي وردت في التقرير، فإن التأثير لا يقف عند الوظائف التي يمكن للأتمتة أن تُسقطها مباشرة.. فهناك أيضا نحو 4.6 ملايين منصب قد تتأثر مهامها المعرفية والتحليلية بدرجات متفاوتة، بما يعادل 14% من إجمالي التشغيل بالمملكة.. والأسوأ في الصورة ليس حجم الأثر فقط، بل طبيعة “الميزان” الذي يرجّحه التقرير: خلق محدود لفرص شغل جديدة لا يتجاوز 180 ألف وظيفة، مقابل عجز صافٍ سلبي يقدر بـ 1.32 مليون منصب.. بمعنى آخر، قد لا يكون التعويض مواكبًا للحجم المتوقع للخسارة.

قطاعات “الأتمتة” هي الأكثر تعرضًا

يُظهر التقرير أن بؤر الخطر تتجمع في قطاعات تعتمد على سلسلة خدمات قابلة للرقمنة السريعة أو معالجة البيانات بشكل متكرر.. وتشمل هذه البؤر الأوفشورينغ (BPO) ومراكز النداء والخدمات عن بعد، إلى جانب الخدمات المالية والمصرفية والتأمينات، والإدارة العمومية والخدمات المعاملاتية.. كما يمتد التهديد إلى الصناعات المعيارية مثل السيارات والنسيج.

اللافت هنا أن المخاطر لا تخص فقط العمالة ذات المهارات المحدودة.. فالتقرير يتحدث عن ما وصفه بـ”مفارقة التأهيل”، حيث قد ترتفع نسبة الخطر لتصل إلى 30% لدى حاملي الشهادات العليا في السيناريو الاضطرابي.. والسبب مرتبط بقدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على محاكاة جوانب من المهارات الذهنية المتقدمة، ما يعني أن “ارتفاع المستوى الدراسي” لم يعد ضمانًا تلقائيًا ضد إعادة تشكيل المهام.

الشباب والنساء على خط القلق

ضمن التصورات التي يعرضها التقرير، تبرز حساسية خاصة لفئات تبدو في الغالب الأقل قدرة على الصمود أمام تغيرات سوق العمل.. فهناك تحذير من فقدان فرص التراكم المهني والحراك الاجتماعي بالنسبة للشباب في وظائف البداية (Entry-level).. وبالنسبة للمجتمع، هذه النقطة ليست رقمًا فقط؛ إنها تتعلق بطريق يبدأ فيه كثيرون حياتهم المهنية: أول وظيفة، أول خبرة، ثم ترسّخ تدريجي.. وعندما تُضيَّق هذه المسارات، تتأثر الثقة بالمستقبل وتتراجع فرص الارتقاء.

كما يشير التقرير إلى “هشاشة رقمية” قد تواجه النساء، بالنظر إلى تركّزهن في مهن إدارية ومساندة، تعتبرها الوثيقة أكثر عرضة للأتمتة.. ويصل تقدير التعرض إلى نسبة 65% في هذا السياق.. وهنا يظهر أثر مزدوج: ليس فقط خطر الاستبدال التقني، بل كذلك خطر تراجع الخيارات المتاحة للتطوير المهني إذا لم تُرافق عملية التحول سياسات تدريب وتحويل عادلة.

2035: تراجع ميزة العمل منخفض الكلفة

مع حلول 2035، يذهب التقرير إلى أن الموجة الثانية من التقنيات ستدخل بقوة، وتحديدًا التقنيات المادية المتقدمة والروبوتيك.. وعندها، قد يتراجع عنصر “العمل منخفض الكلفة” الذي كان يمنح المغرب تنافسية في قطاعات مثل الفلاحة والنسيج والبناء واللوجستيك، لأن جزءًا من الجهد البدني يمكن أن يتحول إلى عمل آلي.. ووفق السيناريو ذاته، يرتفع عدد المناصب ذات الخطر المرتفع إلى 2.9 مليون منصب، ليصل إجمالي المناصب المتأثرة بشكل كلي أو جزئي إلى نحو 8 ملايين.

المهم في هذا التوقع أنه يعيد تعريف المنافسة داخل الاقتصاد نفسه.. فبدل الاعتماد على وفرة اليد العاملة بسعر أقل، قد يصبح “التنافس” أكثر التصاقًا بالمهارات التقنية والقدرة على إعادة تدريب العمالة.. وهذا ما يجعل الفاصل الزمني بين 2024 و2030 حاسمًا: أي تأخر في بناء منظومة تأهيل قد يوسّع الفجوة بدل أن يقلصها.

فجوة تأهيل تقنيّة وضعف مخرجات التكوين

يطرح التقرير كذلك إشكالية البنية الاقتصادية وسرعة التغيير.. فهناك من ناحية قطاع غير مهيكل يمثل 67.6% من الاقتصاد، وهو ما يُفهم منه كونه يعطي “حماية مؤقتة” من الرقمنة المؤسساتية، لكنه يأتي بثمن: حرمان العاملين من مكاسب إنتاجية رقمية قد تُحسن الدخل والقدرة على الانتقال إلى وظائف أكثر قيمة.. بمعنى آخر، قد تكون المسافة عن الرقمنة نوعًا من التجميد، لا نوعًا من الأمان.

وعلى مستوى السياسات، يُقر التقرير بطموحات استراتيجية المغرب الرقمي 2030 وبرنامج Made in Morocco AI، لكنه يلفت إلى فجوة تنفيذية واضحة: حاجة المملكة إلى إعادة تأهيل ما بين 250 ألف و480 ألف عامل سنويًا.. وفي مقابل ذلك، تذكر الوثيقة أن مخرجات التكوين المهني والجامعي لم تتجاوز تخرج 22 ألف كفاءة رقمية في سنة 2024.. وهذه المفارقة قد تعني أن سوق الشغل لن يتلقى “الدفعة” التدريبية الكافية بالسرعة المطلوبة، ما يجعل الأثر السلبي أكثر احتمالًا.

وفي قراءة التقرير، تُختزل الصورة في “نافذة زمنية ضيقة” حتى 2030 لبناء هندسة متجددة للمهارات.. كما يؤكد ضرورة الانتقال من حماية “الوظائف” إلى حماية “الأفراد”، عبر منظومة حماية اجتماعية قابلة للنقل، إضافة إلى ضمان الاستخدام الخوارزمي المسؤول في التوظيف.. والفكرة هنا عملية: عندما تتغير الوظائف بسرعة، يصبح الأمان مرتبطًا بالقدرة على التعليم والتغيير لا بالتمسك بوصف وظيفي واحد.

قد يظل الطريق طويلًا، لكن التحدي لا ينتظر.. سوق الشغل في المغرب يقف أمام مفترق: إمّا تحويل التحول التقني إلى فرصة تدريب وانتقال مهني، أو ترك الأتمتة ترسم ملامح الخسارة قبل أن تُبنى البدائل.. وفي الحالتين، الأرقام التي وردت في سياق الذكاء الاصطناعي لا تعني مستقبلًا نظريًا؛ بل تضع ضغطًا مباشرًا على الشباب والنساء وعلى جودة فرص العمل خلال سنوات قليلة.