كشفت دراسة أثرية شاملة لمجموعة من الكنوز المدفونة في بريطانيا عن تفسير جديد وراء إخفاء مئات الحلي الذهبية والفضية والبرونزية قبل أكثر من ألفي عام، إذ يرجح الباحثون أنها لم تُدفن لحمايتها من السرقة أو الاضطرابات، بل ضمن طقوس جماعية ارتبطت بتحول اجتماعي كبير، انتقل خلاله التعبير عن المكانة والنفوذ من ارتداء حلقات العنق الثمينة إلى استخدام العملات.
وتعود هذه المقتنيات إلى اثنتي عشرة مجموعة أثرية عُثر عليها في تل كين هيل بمقاطعة نورفولك شرقي إنجلترا، وتُعرف باسم “كنوز سنيتيشام” نسبة إلى القرية القريبة من الموقع. ويرجع تاريخها إلى العصر الحديدي المتأخر، بين نحو 350 و60 قبل الميلاد، وتزن مجتمعة أكثر من 130 رطلاً، أي ما يزيد على 59 كيلوجراماً، وتضم حلقات عنق وأساور وسبائك وعملات معدنية.
ويُعد الموقع أكبر تجمع معروف للحلي التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في أوروبا، إذ عُثر فيه على أكثر من 70 حلقة عنق وسوار كاملة أو شبه كاملة، إلى جانب أجزاء من مئات القطع الأخرى، وتمثل مقتنياته نحو 80% من حلقات العنق المعروفة من العصر الحديدي في بريطانيا.
ورجح خبراء الآثار أن دفن هذه المقتنيات كان جزءاً من طقوس مقصودة، وليس مجرد محاولة لإخفائها أو الحفاظ عليها. واستند الباحثون إلى الطريقة التي رتبت بها بعض الحلقات داخل المجموعات المدفونة؛ إذ وُضعت حلقات قديمة أو بسيطة أو شديدة الاستهلاك أولاً، ثم أُضيفت إليها قطع أخرى بعناية، قبل أن تتوج المجموعة بحلقة أكثر فخامة وتميزاً. وتشير الأدلة إلى أن بعض هذه المجموعات أُعيد فتحها لاحقاً لإضافة حلقات برونزية وفضية جديدة.
ويرى الباحثون أن هذه الممارسات ربما كانت جزءاً من طقوس جماعية للتخلي عن رموز قديمة للسلطة والمكانة، وتقديمها للآلهة بدلاً من صهرها وإعادة استخدامها.
لم تكن حلقات العنق مجرد حلي للزينة، بل يُعتقد أنها كانت رمزا للرتبة الاجتماعية أو المنصب أو الانتماء إلى عائلة أو جماعة ذات مكانة مميزة، وربما ارتداها الرجال والنساء، بل والأطفال أيضاً، نظراً لاختلاف أحجامها.
وتكشف القطع عن مهارة استثنائية لدى صناعها؛ فقد صُنعت بعضها من خيوط معدنية ملتفة من الذهب والفضة والنحاس، وزُينت أخرى بزخارف هندسية ووجوه بشرية، ولم يجد الباحثون قطعتين متطابقتين تماماً بين مئات الحلقات المكتشفة.
ومن أبرز هذه القطع “الحلقة العظمى” المصنوعة من أكثر من رطلين من الذهب والفضة، باستخدام ثمانية حبال معدنية ملتفة، يتكون كل منها من ثمانية أسلاك صُنعت يدوياً بأقطار متقاربة للغاية.
كما عُثر على حلقة أخرى أطلق عليها الباحثون اسم “الحلقة الغريبة”، تحمل آثار استخدام طويل وإصلاحات متعددة، إذ تدعمت أجزاؤها الضعيفة بشرائط معدنية وقطعة من رقائق الذهب، ويرجح أنها انتقلت بين أجيال متعاقبة قبل دفنها.
ويربط الباحثون توقيت دفن الكنوز بظهور العملات المحلية الأولى في المنطقة، إذ تحتوي بعض المجموعات على عملات سُكت نحو عام 60 قبل الميلاد، وهي فترة شهدت تحولاً في وسائل التعبير عن الثروة والنفوذ.
فبينما كانت حلقة العنق رمْزاً شخصياً يرتديه فرد واحد لإظهار مكانته، أتاحت العملات تداول القيمة بين عدد أكبر من الناس، وأصبحت وسيلة مختلفة للتعبير عن الثروة والمكانة الاجتماعية.
وبعد دفن هذه الكنوز بقرون، ظل تل كين هيل محتفظاً بأهميته، إذ أُودعت فيه مجموعتان أخريان من المقتنيات خلال القرن الأول الميلادي، إحداهما ضمت سبائك من سبيكة الفضة والأخرى آلاف العملات، كما أُنشئ خندق في القرن الثاني الميلادي يحيط بمنطقة يُرجح أنها كانت تضم معبداً رومانياً.
