أحمد عاطف آدم يكتب: دولة التلاوة وبناء الإنسان

في وقتٍ ظن فيه البعض أن ذائقة الجماهير قد جرفتها تيارات “المحتوى العابر” وصخب السطحية، جاءت “دولة التلاوة” لتثبت أن العطش للجمال وإبراز القدوة الحسنة للأجيال المعاصرة والقادمة لا يزال هو الفطرة الغالبة. لم يكن هذا النجاح الكاسح والقبول وليد الصدفة، بل كان ثمرة تعاون قيمي واحترافي، وتلاحم ذكي بين وزارة الأوقاف المصرية بما تحمله من مرجعية روحية وتاريخية، وبين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تمثل النافذة الاتصالية الفاعلة والقادرة على صياغة رسالة مؤثرة في قالب عصري مبهر.
هذا الاتحاد لم يُنتج برنامجاً للمسابقات فحسب، بل أطلق “وثيقة استرداد” لريادة المدرسة المصرية في التلاوة؛ صاغتها يد المؤسسة الدينية بعلمها، ورسمتها يد الإعلام الواعي بفنه. وإن ما نشهده اليوم من تدفق هائل في نسب المشاهدة، وتهافت الملايين في مصر والوطن العربي على متابعة أصوات ندية تخرج من قلب البيوت المصرية، لهو دليل قاطع وبرهان ساطع على أن “بوصلة الوعي” لدى الجمهور العربي لا تزال تنبض بالحق، وأن الضمير الجمعي ينحاز دوماً لكل ما هو هادف وأصيل متى وجد الطريق مُمهداً بإتقان.
ومن رحم هذا الوعي، ومن قلب تلك البيوت التي استردت ثقتها في القدوة، بزغ نجم الصغير محمد حسن القلاجي؛ ذاك الفتى الذي لم يأتِ من فراغ، بل خرج من مشكاة أسرة مصرية أصيلة آمنت بأن الاستثمار في “الروح” هو أبقى وأطهر أنواع الاستثمار. فعندما يوفر الأبوان بيئة صالحة تكون بمثابة “محراب” هادئ بعيداً عن ضجيج الحياة ومغرياتها، تخرج الثمار يانعة. والمتابع لرحلة “القلاجي” يجد أن موهبته بزغت ونبتت في كتاتيب محافظة الشرقية منذ أن كان في الرابعة من عمره، لتُصقل لاحقاً في مدينة العاشر من رمضان، محققاً المعادلة الصعبة: حفظ القرآن كاملاً في الثامنة، مع تفوق دراسي يضعه على أعتاب حلمه الأكبر في أن يكون طبيباً وقارئاً، ليجمع بتفردٍ بين “شفاء الأبدان” بمبضع الجراح، و”شفاء الصدور” بآيات الذكر الحكيم.
تأملتُ في طلة هذا الصغير، فوجدتُ وجهاً صاغته العناية الإلهية ليكون مرآة لنشأته؛ ملامح يمتزج فيها بياض البراءة برصانة الشيوخ، وعينان تشعان ثقة لا تعرف الغرور، وسكينة لا تأتي إلا لمن جالس القرآن طويلاً. وحين وقف أمام لجنة التحكيم، تجلى ذكاؤه الاجتماعي وثباته الانفعالي في أبهى صوره؛ فبينما يرتجف الكبار رهبة، وقف هو بوقار “أهل القرآن” يستقبل الملاحظات بابتسامة عذبة وأدب جم، وكأنه يلقننا درساً في أن الالتزام الديني هو في جوهره تقويم للسلوك قبل أن يكون تجويداً للحروف.
ولم يكن غريباً أن تنبهر به لجنة التحكيم، حيث وصفه الخبراء بأنه صاحب حنجرة ذهبية ووعي مقامي يفوق عمره الزمني، وأثنوا على قدرته الفائقة في محاكاة كبار دولة التلاوة مع الحفاظ على بصمة خاصة تتسم بالهدوء والاتزان. إن محمد القلاجي ليس مجرد متسابق نال إعجاب الملايين، بل هو نموذجٌ يُحتذى به من أبناء أجيالنا الناشئة، وبرهانٌ حي على أن الطفل متى وجد يداً حانية توجهه، وعقلاً واعياً يحتويه، وبيئة مستقرة تغرس فيه اليقين، فإنه يخرج للعالم شخصية سوية، واثقة، وقادرة على أن تحمل لواء العلم والإيمان في آن واحد؛ مصداقاً لقوله تعالى في سورة إبراهيم: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.. صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ»؛ ليعلن للجميع أن الانضباط الديني هو أقصر الطرق نحو التفوق العلمي وبناء الذات.



