يقضي كثيرون ساعات طويلة يوميًا في الجلوس الممتد، سواء أمام شاشات الكمبيوتر أثناء العمل أو خلال مشاهدة التلفزيون واستخدام الهواتف الذكية، دون إدراك حقيقي للمخاطر الصحية الكامنة وراء قلة الحركة. وتؤكد البيانات الطبية أن تحول السلوك الخامل إلى عادة يومية مستمرة يلقي بظلال ثقيلة على صحة القلب والأوعية الدموية.
يرتبط الجلوس لفترات طويلة بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب ومتلازمة التمثيل الغذائي، وهي منظومة مرضية تضم ارتفاع ضغط الدم ومستويات السكر واضطراب الكوليسترول. وتتعدد التأثيرات السلبية لقلة الحركة على الجسم، وتبرز في مقدمتها مشكلة بطء تدفق الدم في الساقين؛ ففي حال الجلوس المطول تتراجع حركة عضلات الأطراف السفلية التي تسهم في دفع الدم عبر الأوردة باتجاه القلب، مما يؤدي إلى تجمعه وانخفاض كفاءة الدورة الدموية.
تشير مراجعة علمية منشورة في دورية Physiological Reviews إلى أن الجلوس المتواصل يؤثر بصورة مباشرة في حركة الدم بالأطراف السفلية، ويزيد من احتمالات تكوّن الجلطات داخل الأوردة العميقة للساقين. وتتفاقم هذه المخاطر لدى الأشخاص الذين تواجههم عوامل إضافية مثل السمنة، أو الخضوع لجراحة حديثة، أو وجود تاريخ معتاد للجلطات. وفي السياق ذاته، تُظهر بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن الجلوس بلا حركة لفترات تتجاوز أربع ساعات، لا سيما أثناء السفر، يرفع بوضوح خطر الإصابة بجلطات الأوردة العميقة.
يمتد الضرر ليشمل وظائف الأوعية الدموية ذاتها؛ إذ يساعد النشاط العضلي الطبيعي على تنشيط تدفق الدم والحفاظ على كفاءة بطانة الأوعية. غير أن الجلوس المتواصل يحد من هذا النشاط الحيوي، ويضعف قدرة الأوعية على تنظيم تدفق الدم بكفاءة. وتتأكد هذه الارتباطات عبر دراسات واسعة النطاق، من أبرزها بحث نشرته دورية Journal of the American College of Cardiology وشمل أكثر من 89 ألف مشارك، والذي توصل إلى أن قضاء نحو 10.6 ساعات يوميًا أو أكثر في السلوك الخامل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة ملحوظة في مخاطر قصور القلب والوفاة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، حتى بين بعض الأفراد الذين يمارسون الرياضة بانتظام.
إلى جانب ذلك، تسهم قلة الحركة المستمرة في إحداث تغيرات أيضية سلبية، تشمل انخفاض حساسية الجسم للأنسولين واضطراب مستويات الدهون في الدم، فضلًا عن ارتباط السلوك الخامل بارتفاع ضغط الدم، مما يمهد الطريق للإصابة بأمراض القلب والشرايين على المدى الطويل.
ولمواجهة هذه المخاطر وحماية صحة القلب، يوصي المتخصصون باتباع عادات يومية تستهدف تقليل وقت الخمول، مثل الوقوف والتحرك بانتظام خلال ساعات العمل بدلًا من الجلوس المتواصل، والمشي لبضع دقائق كل نصف ساعة أو ساعة بحسب القدرة وطبيعة العمل. كما تشمل الإجراءات الوقائية أداء تمارين بسيطة للساقين والقدمين أثناء الجلوس، واستخدام السلالم بدلًا من المصاعد، والمواظبة على النشاط البدني المنتظم كالمشي السريع وركوب الدراجات، مع تجنب شغل أوقات الفراغ بالكامل في الجلوس بلا حراك أمام الشاشات.
