تواجه منصة الفيديوهات القصيرة «تيك توك» اتهامات جديدة ومباشرة من المفوضية الأوروبية، بعد أن أفرزت نتائج تحقيق أولية عن شبهة انتهاك محتمل لقانون الخدمات الرقمية. وتتعلّق هذه الاتهامات بالآلية الهندسية التي تعمل بها خوارزمية التوصيات في صفحة «لك»، وما يُحتمل أن تسببه من تداعيات سلبية على السلامة النفسية والعقلية للمستخدمين، ولا سيما الفئات العمرية الأكثر تأثراً كالطفولة والمراهقة.
وتتركز بؤرة الانتقادات الأوروبية حول التقنية المعروفة اصطلاحاً بخوارزمية «ثقب الأرنب»، وهي منظومة برمجية تعتمد على الاستشراف الدقيق لتفاعل المستخدم مع المواد المرئية المعروضة، لتعقبها بموجات متواصلة من المحتوى المطابق أو المماثل. وكلما قضى المستخدم وقتاً أطول في مشاهدة نوعية معينة من المقاطع أو تفاعل معها، تضاعفت احتمالات إغراق صفحته بالمزيد من المواد ذات الصلة، وهو ما ينتهي به تدريجياً إلى الانجراف داخل حلقة مفرغة يتعذر الإفلات منها بسهولة.
وفي سياق تفصيل المخاطر المرتبطة بهذا النهج، حذرت الهيئة الأوروبية من أن الاستمرار المنهجي في ضخ المحتوى المتشابه يكتسي خطورة بالغة عندما يلامس قضايا حساسة كالشعور بالحزن، والعزلة الاجتماعية، واضطرابات صورة الجسد. وأوضحت النتائج الأولية للتحقيق أن المنصة قصّرت في إجراء تقييمات كافية ومستفيضة للمخاطر الناشئة عن بنيتها الخوارزمية، فضلاً عن إخفاقها في إنفاذ التدابير الوقائية اللازمة لمنع انزلاق المستخدمين نحو مسارات رقمية تضر بسلامتهم النفسية.
ولم تقتصر الانتقادات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل قصوراً واضحاً في فعالية أدوات التحكم الرقابي المتاحة للمستخدمين داخل التطبيق. وأشارت المفوضية إلى أن تفعيل خيار «غير مهتم» لا يترتب عليه بالضرورة التغيير المأمول في طبيعة المحتوى المتدفّق على الشاشة الرئيسية، وهو ما يعزز المخاوف القائمة بشأن الحد الأدنى من السيطرة الفعلية التي يمتلكها الأفراد على تجربتهم الرقمية اليومية.
وأمام هذه المعطيات، تقدمت المفوضية الأوروبية بحزمة مطالب جوهرية تلزم المنصة بإعادة هندسة صفحة «لك»، بحيث تعتمد بدرجة أكبر على التفضيلات الإرادية التي يحددها المستخدم بنفسه، متخلية عن الاعتماد الحصري على مدة المشاهدة كمؤشر أوحد للاهتمام. كما شملت الدعوات تيسير الوصول إلى أدوات التحكم في التوصيات، وتطوير فعاليتها التشغيلية، بالتوازي مع إجراء اختبارات دورية ومنتظمة للخوارزميات للتأكد من خلوها من أي مخاطر كامنة.
من جهتها، سارعت إدارة المنصة إلى رفض الاتهامات الأوروبية جملة وتفصيلاً، معتبرة أن بعض التقييمات المعلنة تتسم بعدم الدقة وتعمل على تشويه طبيعة العمل الفعلي للمنصة. وأكدت الشركة التزامها الراسخ بتوفير بيئة آمنة للمستخدمين، وتزويدهم بأدوات فعالة تمنحهم زمام السيطرة المباشرة على المحتوى الذي يطالعونه.
وتندرج هذه التطورات الساخنة في هيكل تحقيق واسع النطاق أطلقه الاتحاد الأوروبي مطلع عام 2024، تخللته في وقت سابق انتقادات حادة للتصميم الهندسي للمنصة بدعوى تشجيعه على الاستخدام المفرط، إلى جانب بواعث القلق المستمرة بشأن تأمين خصوصية حسابات القاصرين. وفي حال ثبوت المخالفات رسمياً وعدم تدارك أوجه القصور المرصودة، قد تواجه الشركة الأم «بايت دانس» غرامات مالية قاسية قد تبلغ نحو 6% من إجمالي إيراداتها السنوية العالمية.
وتبرز هذه القضية بوضوح حالة الاحتقان وتصاعد الضغوط الدولية المفروضة على شركات التقنية الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي، بغية دفعها لإعادة النظر في فلسفة خوارزميات التوصية التي ترسم المشهد اليومي لملايين المستخدمين، وسط تصاعد الهواجس المجتمعية حيال تداعيات التعرض المتكرر للمحتوى على الصحة العقلية للأجيال الناشئة.
