سياسة

تحذير جامعي من عزوف الأوائل عن التدريس بسبب الرواتب

مبنى إداري وجامعي في مصر يعكس بيئة التعليم العالي والبحث العلمي

دَق أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة الإسكندرية، الدكتور السيد الصيفي، ناقوس الخطر بشأن مستقبل الكوادر الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي بمصر، على خلفية واقعة وصفها بأنها غير مسبوقة وتتمثل في رفض عدد من أوائل الخريجين الالتحاق بوظائف معيدين.

وأوضح الصيفي، في منشور تفصيلي عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، أن رفض التكليف شمل الطلاب من الأول على دفعة شعبة اللغة الفرنسية وحتى صاحب الترتيب الرابع عشر من إجمالي ثلاثين طالبًا، مع وجود احتمالات برفض الطالب الأخير أيضًا. وأضاف أن الظاهرة امتدت لتشمل شعبة اللغة العربية بالكلية ذاتها، حيث وافق على التكليف بالوظيفة الطالب الحاصل على المركز الخامس فقط، بينما عزف بقية المتفوقين.

واعتبر الأكاديمي أن هذه المؤشرات الرقمية تستدعي وقفة جادة أمام تراجع جاذبية العمل الأكاديمي لدى الشرائح المتفوقة من الخريجين، وما قد يفرضه ذلك من تحديات جسيمة تتعلق بتوفير الكوادر المؤهلة لتدريس الأجيال القادمة وضمان استمرارية جودة العملية التعليمية بالجامعات المصرية.

وتساءل الصيفي عن مآل العملية التعليمية داخل صروح التعليم العالي إذا استمر هذا العزوف بين الطلاب الأوائل، مؤكدًا أن الجامعات لا ينبغي التعامل معها بوصفها مؤسسات خدمية بحتة، بل هي كيانات إنتاجية ذات أبعاد تنموية عميقة؛ فهي المصنع الحقيقي للعقول والخبرات التي تتولى لاحقًا مختلف المواقع المهنية والقيادية في الدولة، كالطب والهندسة والقضاء والإدارة المصرفية.

وأشار إلى أن دور الجامعات في بناء الإنسان لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الإنتاجية التقليدية، مشيدًا بقدرة المنظومة التعليمية على الصمود واستمرار العملية الدراسية رغم ما مرت به البلاد من أزمات وتحديات كبرى، شملت الظروف الاستثنائية وجائحة كورونا.

وأرجع الصيفي جانبًا رئيسيًا من هذه الأزمة إلى ضعف الرواتب مقارنة بمعدلات التضخم المرتفعة وتكاليف المعيشة المتزايدة، لافتًا إلى أن تصنيف الجامعات كجهات خدمية ينعكس على طبيعة مواردها المالية وآليات توزيع عوائدها، حيث لا يتلقى أعضاء هيئة التدريس أرباحًا أو عوائد مرتبطة بأنشطة اقتصادية كغيرهم في بعض القطاعات.

وتساءل عن الكيفية التي يمكن بها مطالبة الأكاديميين بمواصلة أداء رسالتهم السامية في ظل الضغوط المعيشية المتفاقمة، مشددًا في الوقت ذاته على إدراكه لحجم التحديات التي تواجه الموازنة العامة للدولة والظروف الاقتصادية الراهنة.

وأكد أن أعضاء هيئة التدريس والعاملين بالجامعات ليسوا مسؤولين عن تفاقم أزمة عجز الموازنة، موضحًا أن معالجة الاختلالات المالية تتطلب مواجهة أسبابها الجذرية وفي مقدمتها أعباء خدمة الدين العام.

وفي السياق الاقتصادي الأوسع، نوه الصيفي إلى أن فوائد القروض وأقساطها تُمثل الضغط الأكبر على الموازنة العامة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة بنسبة واحد بالمائة قد يكلف خزينة الدولة نحو خمسة وثمانين مليار جنيه، ودعا إلى ضرورة مراجعة سياسات الاقتراض وأسعار الفائدة لتخفيف العبء المالي وإتاحة مساحة كافية للإنفاق على القطاعات الحيوية كالتعليم.

واختتم الأكاديمي تحذيره بالتأكيد على حتمية إعادة النظر في الأوضاع المادية والمهنية للعاملين وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، محذرًا من أن استمرار تدني المزايا الوظيفية سيهدد قدرة المؤسسات الأكاديمية على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، ومعتبرًا أن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ بالاهتمام بالعنصر البشري صانع العقول وقائد مسارات التنمية.

Mostafa Mohamed

أهتم بالشأن العام وأتابع القرارات الحكومية والخدمات والمشروعات التي تمس الحياة اليومية. أفضل التغطية التي تشرح خلفية القرار وما يترتب عليه بوضوح.