تحتفي محافظة المنيا بذكرى رحيل الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربي وأحد أبرز رموز الفكر والثقافة الحديثة، في مناسبة تستعيد إرثه الإبداعي ومحطات رحلته التي انطلقت من ريف مصر وصولاً إلى العالمية، مروراً بمواقعه المؤثرة في محافظة المنيا وتحديداً بمنطقة تونا الجبل بملوى.
ولد طه حسين علي سلامة في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889 بعزبة الكيلو بمركز مغاغة في محافظة المنيا. وفي سن الرابعة، تعرض لمرض الرمد الذي أثر على عينيه، ونظراً لظروف أسرته آنذاك، تم اللجوء إلى حلاق القرية بدلاً من طبيب متخصص، وهو الخطأ الذي أدى إلى فقدان بصره تماماً. ورغم هذه البداية القاسية، تحدى الصعاب وقهر الظلام ليشق طريقاً استثنائياً في المعرفة والأدب.

امتدت مسيرة عميد الأدب العربي لتشمل محطات علمية ومهنية بارزة، أبرزها سفره إلى فرنسا حيث التقى بسوزان بريسو التي تزوجها عام 1917 واستمرت رفيقة لحيته حتى وفاته، وأنجب منها ولد وبنت وهما مؤنس وأمينة. وتقلد طه حسين العديد من المناصب الرفيعة، من بينها رئاسة مجمع اللغة العربية، وتولي وزارة التربية والتعليم المعروفة سابقاً بوزارة المعارف.
ترك الدكتور طه حسين إرثاً أدبياً خالداً، من توثيقه لسيرته الذاتية في رائعته «الأيام» التي روى فيها تفاصيل طفولته وفقدان بصره ورحلته العلمية بين الأزهر وفرنسا، وصولاً إلى روايته الاجتماعية الشهيرة «دعاء الكروان» التي تناولت قضايا الثأر والظلم الاجتماعي ومعاناة المرأة الريفية. وقد تحولت هذه الرواية إلى علامة سينمائية خالدة تم تأليف وتصوير أجزاء منها داخل استراحته الشهيرة في منطقة تونا الجبل، حيث زارها فريق العمل وعلى رأسهم الفنان أحمد مظهر والف الفنانة فاتن حمامة.

تعد استراحة طه حسين في تونا الجبل شاهداً حياً على أزهى عصور الأدب والثقافة في تلك الفترة، وقد أُنشئت في الأساس نظراً لتواجد العميد المستمر في المنطقة لمتابعة حفائر الجامعة المصرية التي ترأسها الأثري الدكتور سامي جبره منذ بداياتها عام 1931. وكان طه حسين قد وافق بصفته المسؤولة وقتها على صرف مبلغ 500 جنيه مصري لبدء أعمال الحفر، مما استدعى إقامة استراحة خاصة به وزوجته ومساعديه بعيداً عن استراحة سامي جبره.
تتألف الاستراحة من طابقين بُنيا بطراز مختلف يضم سلماً خارجياً. يتكون الطابق الأول من صالة واسعة وحجرة مخصصة للقراءة والكتابة، بالإضافة إلى حمام ومطبخ، بينما يضم الطابق الثاني غرفتي نوم وصالة وححماماً إضافياً. وظلت هذه الاستراحة مزاراً للمثقفين والمهتمين بالتاريخ والأدب، وسط مطالبات بتحويلها إلى متحف يضم تاريخ العميد وأدواته الشخصية ومكتبة تحتفظ بجميع نتاجه الأدبي.

رحل الدكتور طه حسين في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1973 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً وثقافياً راسخاً ومواقع تاريخية تروي قصة رجل غيّر وجه الثقافة العربية.
